رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد

اللاسلم.. واللاحرب

قسم : مقالات
الإثنين, 03 مايو 2021 13:26

للإنسان المصرى عبارة عجيبة وغريبة يصف بها أحواله حين لا تستقر به الحال، هى عبارة «بين البينين»، يعنى لا هى جيدة ولا هى سيئة.. ووجه العجب أو الغرابة فى العبارة يرتبط بالسؤال: هل يوجد بين البينين بين؟!.

حالة «بين البينين» من الحالات المرهقة للنفس البشرية عموماً. وما أكثر ما عانى منها المصريون عبر تاريخهم. فقد شاء الله أن تمتد هذه الحالة لسنين طويلة فى حياتهم بصورة غير محتملة فى أحوال.

فى العصر الملكى كانت مصر تعيش بين بين. لا تعرف مثلاً هل نظام حكمها ديمقراطى أم استبدادى؟.. كانت دولة مستقلة على الورق، لكنها محتلة فى الواقع، قادرة وقوية على المستوى النظرى ضعيفة مترنحة على المستوى العملى.

قامت ثورة يوليو 1952، فأطاحت بالملك ودخلنا العصر الجمهورى.. ومنذ البداية لم يكن أحد يعلم هل أصبحت مصر جمهورية بالفعل أم لم تزل ملكية.. الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا كانت تقول إننا تخلصنا من ملك وأتينا محله بأحد عشر ملكاً (تقصد أعضاء مجلس قيادة الثورة).

فى عام 1967 لم نكن نعرف على وجه التحديد ما قررته القيادة السياسية، حين شرعت تحشد للحرب ورفعت شعار: «إزالة إسرائيل من فوق الخريطة»، كما كان يطنطن الإعلام وقتها.. ولم نعرف هل كانت القيادة جادة فى الحرب أم المسألة مجرد «تهويش»؟

بعد نكسة 67 عشنا ست سنوات كان أصعبها على النفس المصرية سنوات اللا سلم واللا حرب التى بدأت بعد وقف عمليات الاستنزاف وقبول مصر بوقف إطلاق النار.

كان المواطن فى الشارع يسأل: هل تنوى القيادة السياسية الحرب. أم تسوف؟.. وإذا كانت تنتويها فمتى تخطو الخطوة؟.. كلام كثير كان يسمعه الناس من السادات حول أشهر الحسم وعام الحسم، دون أن يحدث أى حسم، وظل الناس كذلك ثلاث سنوات متصلة حتى اتخذ السادات القرار فى التوقيت المناسب له.

كانت الظروف حينها تساعد «السادات» على اختيار التوقيت الأنسب له، فبعيداً عن الضغوط الشعبية والمظاهرات الشبابية التى تدعوه إلى الحرب لم يكن السادات يواجه أية ضغوط أخرى.

ما أتيح للسادات من فسحة لاختيار «توقيت الحرب» بعد الاستعداد الكامل لها، قد لا يتوافر فى ظروف أخرى أو مواجهات أخرى.

على سبيل المثال، التحرك العربى ضد إسرائيل عام 1948 جاء بعد فوات الأوان. فالقضية الفلسطينية كانت مشتعلة منذ الثلاثينات والانتفاضات الفلسطينية على أشدها، لكن أحداً لم يكن يلتفت.

ثم فجأة قرر الملك فاروق التحرك وتحرير فلسطين من العصابات اليهودية، كان «فاروق» مسوقاً بعنجهيته كملك لمصر والسودان ورغبته فى تحقيق الحلم القديم المتجدد بأن يصبح ملكاً للعرب، لكن التحرك المصرى/ العربى جاء بعد فوات الأوان، وبعد أن تسلطنت إسرائيل فوق الحجر والبشر.

الحرب ليست لعبة.. واختيار التوقيت المناسب لها يشكل نسبة لا بأس بها من أسباب نجاحها.. أما التأخير والتلكؤ والتحرك بعد فوات الأوان فأصل الخسارة فى أى حرب.. وأما عدم خوضها فكارثة محققة.