رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد

أمة اقرأ..

قسم : مقالات
الأحد, 18 يوليو 2021 22:13



أؤمن برسالة الكلمات وما تخفيه حروفها من معانٍ، ولذا فالتأمل فى أول أمر إلهى أنزله الله على نبيه ورسوله محمد، صلوات ربى عليه، مع الملك جبريل، يمنحنا فهماً لرسالة الله لنا من إتمام هذا الدين الحنيف.. «الإسلام».

كان الأمر هو «اقرأ» على رسول أمى لا يكتب ولا يقرأ، ليُردّد صلوات ربى وسلامه عليه على مسامع جبريل مع تكرار الأمر عبارته: «ما أنا بقارئ». كانت «اقرأ» إيذاناً بدولة العلم والمعرفة والإيمان القائم على اليقين والفهم اللذين يستقران فى القلب فيمنحان العقل ثقة التسليم لله، ورفض التبعية للمخلوق مهما تعدّدت الأسباب.

عُشر آيات القرآن تتحدث عن العقل وإعماله وعملياته، التفكر والتدبر والتبصر والإدراك والتأمل فى خلق الله، من هنا كان العقل هو الأمانة التى حملها الإنسان ورفضتها السماوات والأرض، فارتبط العقل بالمسئولية.. فكلنا أتيه يوم القيامة فرداً. فإدراك عظمة الخلق وفهم أسراره يؤكدان لك عظمة الخالق ووجوده حتى لو لم تره عينك. لذا كان تعظيم التعلم بافتداء القُرشى لنفسه من الأسر بتعليم عشرة من المسلمين فى أول حرب بين قريش والنبى بعد الهجرة، وكان طريق طلب العلم سبيلاً إلى الجنة، والتصريح الإلهى بسبر أغوار السماوات والأرض ولو نفذنا من أقطارهما، فلن ننفذ إلا بسلطان الله وما تيسر لنا من علم.

ولكن لم يفطن الكثير من المسلمين لتلك المساحة العريضة التى طالبنا بها الله لإعمال العقل والفهم والقراءة التى تتطلب السعى والمثابرة والكد وبذل المجهود، فارتكنوا للجهل وتسليم مقود العقول لمن «عنعن» لهم دون مراجعة أو تفكير أو سعى لفهم. فأضاعوا جهد من سبقهم فى القرون الأربعة الأولى الذهبية للحضارة الإسلامية، حين كان التفكير فريضة، والابتكار واجباً، والإبداع هدفاً.

من يصدق أن عباس بن فرناس فى القرن الرابع الهجرى يخترع أول قلم حبر ويتعلم الموسيقى والنحو ويبدع فى الكيمياء ويقيم فى منزله نموذجاً يحاكى به شكل النجوم، ويسعى على مدار عشرين سنة لفهم كيفية الطيران، فيطير لخمس دقائق بفكرة الطائرة الشراعية نفسها، ويسقط بعد خمس دقائق على الأرض، ويعيش بعدها سبع سنوات يعانى آلام العظام حتى وفاته؟ دون أن يدرك أنه سيأتى بعده فى القرن العشرين من يُضل المسلمين، فيُعلن أن الطائرة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار! فأى اجتزاء للدين وأى تضليل للناس؟

نعم يا سادة نعانى فصاماً فى أمة اقرأ بين ما أُمرنا به، وما نطبّقه على أرض الواقع من فهم لحقيقة الدين الذى يأمرنا بالعلم والقراءة والفهم والإبداع، وكلها أمور تحتاج إلى العقل الناقد المُناقش الساعى لاستكشاف ما خفى من معلومات وما جهُل من مسائل.

فقد ابتلينا بعمائم على مر العصور حرّمت السؤال وجعلته مقدّمة السقوط فى جهنم، وحمت نفسها بألقاب ما أنزل الله بها من سلطان لتجريم المساس بها أو الاقتراب منها مُدعية سُمية لحومها!؟ بينما لم يعرف الإسلام ألقاباً ولم يجعل الله لأحد الولاية على أحد، ولم يُحرم السؤال، ولم يجرم الاختلاف فى الفهم، بدليل وجود الأئمة على اختلافهم. ولكنه منحنا الحرية لنقرأ ونتعلم ونتيقن دون وصاية.

فهل ندرك؟