رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد

المشكلة فى سياسات الاستثمار.. لا تشريعاته

قسم : مقالات
الخميس, 18 نوفمبر 2021 19:06

الاهتمام الحكومى المتزايد فى الأسابيع الأخيرة بموضوع الاستثمار الخاص يبعث برسالة جيدة للمجتمع الاستثمارى، كما أنه يبدو للوهلة الأولى مشجعًا. ولكن مع التدقيق فى التصريحات المتداولة، يبدو أن المطروح هو ذات التناول المعتاد عن تعديلات تشريعية ومزايا وحوافز، بينما الواقع أن ما نحتاجه هو سياسة شاملة للاستثمار لا تعديل القوانين.

 

والفارق بين الأمرين كبير. فالسياسة الاقتصادية تعبر عن التوجه الذى تختاره الدولة للتقدم فى قطاع اقتصادى معين، وتقديرها للتنافسية فيه، ورؤيتها بشأن مشاكله، واختيارها للأدوات اللازمة لحل تلك المشاكل، ثم الإعلان عن الأهداف المرجو تحقيقها. أما الإصلاح التشريعى فقد يكون إحدى أدوات تنفيذ هذه السياسة، ولكنه ينبغى ألا يكون هدفًا فى حد ذاته.

 

ولأن التشريع أداة من أدوات السياسة الاقتصادية، فإن هذا يعنى أنه فى غياب سياسة واضحة وملزمة للجميع، فلن يكون هناك تشريع مفيد أو مؤثر مهما تضمن من حوافز ومزايا، لأن العقبات ستظل قائمة، والنظام فى مجمله غير متعاطف مع الاستثمار ولا داعم له. وهذا الوضع هو ما أخشى أن نكون واقعين فيه: (بنية تحتية متقدمة، وجهود للترويج للاستثمار، وحماس لمراجعة القوانين).. ولكن دون أن ينتظم كل ذلك فى إطار جامع لسياسة استثمارية تعلنها الحكومة وتناقشها مع المجتمع الاستثمارى، وتلزم بها جهات الدولة.

 

الغريب أن هذا الوضع لا ينطبق على كل قطاعاتنا الاقتصادية، بل لدينا تجارب ونجاحات كبيرة فى قطاعات مهمة اعتمدت على خطط وبرامج وسياسات معلنة وطويلة الأجل وملزمة للجميع، على رأسها الكهرباء والبترول والنقل والإسكان (بغض النظر عن الخلاف على بعض مضامينها وأولوياتها)، بالإضافة إلى برنامج الإصلاح المالى. وفى كل هذه الأمثلة، عرف المستثمرون المصريون والأجانب ما تنوى الحكومة القيام به، وتعاملوا معه وتعاونوا مع الدولة، فنجحت الشراكة المطلوبة بين الطرفين.. على النقيض من ذلك، لم تكن لدينا خلال السنوات الماضية سياسة استثمارية وطنية واضحة، بل مبادرات منفصلة، وتشريعات لا تغير الواقع وجزر منعزلة.

 

ومع تقديرى وإعجابى بالجهود المبذولة من هيئة الاستثمار فى ظروف محلية وعالمية صعبة، إلا أن وضع سياسة استثمارية وطنية مسؤولية الحكومة بأكملها، بكل وزاراتها وهيئاتها وأجهزتها.. والذى أقصده بـ«سياسة استثمارية وطنية» يجب أن يستند مبدئيًا إلى الإجابة عن خمسة أسئلة أساسية:

 

(١) ما المجالات والقطاعات - وبالذات الصناعية والخدمية - التى تملك مصر فيها مزايا تنافسية وتحقق لنا فى ذات الوقت قيمة مضافة، خاصة فى ضوء تغير خريطة الإنتاج العالمية من بعد «كورونا»؟.

 

(٢) ما الدور الذى ينبغى أن تقوم به الدولة فى المجال الاقتصادى؟.. وهل تكون منافسة للقطاع الخاص فى كل المجالات، أم يقتصر دورها على المشروعات ذات الطابع الاستراتيجى أو التنموى؟.

 

(٣) ما نظام الحوافز المعمول به لجذب الاستثمار ومساعدته على النجاح؟.. ولا أقصد هنا الحوافز الضريبية المعتادة، لأن هذه أسوأ الحوافز على الإطلاق، بل ما تتيحه الدولة من «مناطق صناعية، ودعم للتصدير، وتدريب للشباب، وحماية من الإغراق والاحتكار، ومن تدخل أجهزة الدولة بلا مبرر، وما توفره من مناخ آمن يطمئن فيه المستثمرون إلى أنهم محل ترحيب ومساندة لا ملاحقة واتهام وجباية».

 

(٤) ما الممكن عمله من أجل تطوير نظام فض المنازعات القضائية والحد من التأخير الذى يعطل العدالة بسبب لجان الخبراء وإشكالات التنفيذ والإجراءات العقيمة التى لا تستقيم مع العصر؟.

 

(٥) والأهم من ذلك.. ما مدى استعداد الدولة لفتح صفحة جديدة مع الاستثمار والمستثمرين تتجاوز حالة التوجس والتربص السائدة، وإقامة قنوات للحوار، ليس فقط مع الشركات الدولية وبعض المستثمرين الكبار، بل مع كل المجتمع الاستثمارى بصغيره وكبيره من خلال الاتحادات والجمعيات المنتشرة فى أنحاء الجمهورية؟.

 

شخصيًا، يسعدنى أن يعاد النظر فى قانون الاستثمار الذى جرى تعديله عدة مرات منذ ٢٠١٥، حتى صار مضطربًا وبلا قيمة تُذكر، وأن يعاد النظر فى قوانين أخرى معطلة.. ولكن يهمنى أكثر أن تتبنى الحكومة وضع سياسة استثمارية وطنية، وتتعاون مع ما فى البلد من خبرات وكفاءات تستعين بها دول المنطقة العربية، وتفتح حوارا واسعا حول مستقبل الاستثمار، لأن هذه بالفعل قضية وجودية.

Rochen Web Hosting