رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد

مذكرات البيت الأبيض!

قسم : مقالات
الخميس, 22 سبتمبر 2022 16:40

 شاءت الأقدار أن أكون فى الولايات المتحدة مقيما أو زائرا بشكل منتظم خلال الفترة من ٢٠١٤ وحتى ٢٠٢٠، ومتنقلا بين ثلاث مدن أمريكية هي: هيوستن فى ولاية تكساس فى الجنوب، وواشنطن العاصمة، وبوسطن فى الشمال الشرقي. خلال هذه الفترة شاهدت ترشح دونالد ترامب فى ٢٠١٥ لرئاسة الولايات المتحدة، وفوزه فى الانتخابات الرئاسية أمام هيلارى كلينتون، ثم خروجه من البيت الأبيض على يد الرئيس الحالى جوزيف بايدن. كانت هناك فرصة كبيرة لمشاهدة السياسة الأمريكية مباشرة وهى التى بدأت متابعتها عن قرب أو بعد منذ عام ١٩٧٧ عندما كان جيمى كارتر رئيسا. وقتها كنت أقوم بالتدريس فى جامعة شمال إيلينوي، وخطر ببالى عندما جاء موسم الانتخابات الرئاسية وبات بين الرئيس وشخصية أخرى مختلفة تماما فى الشكل والمعنى ومتجهة بقوة نحو اليمين المحافظ –دونالد ريجان – أن أسأل التلاميذ فى نوع من التصويت على من يجب اختياره رئيسا للدولة. كانت المفاجأة أنه كان هناك إجماع على اختيار ريجان من ٤٥ طالبا وطالبة. كنت متحيزا فى ذلك الوقت لكارتر الذى كان صديقا لمصر، وشجاعا فى البحث عن سلام فى الشرق الأوسط؛ ولكن ما ثبت هو أن المصوتين فى الانتخابات الأمريكية ليسوا مصريين، ولا من الشرق الأوسط، وإنما أمريكيون ثبت لى أنهم باتوا يفكرون فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى بشكل مختلف جذريا عما كان عليه الحال خلال العقدين السابقين. ومن وقتها بدت لى أمريكا أكثر تعقيدا وتركيبا مما تبدو من بعيد أو حتى من قريب لمراقب لدولة فسيحة وواسعة. وكان هذا الدرس هو ما جعلنى أفحص بعمق ظاهرة دونالد ترامب الذى اقتحم السياسة الأمريكية من نافذة بدت ضيقة فى البداية، ولكنها انقلبت إلى أبواب واسعة لاختراق السياسة الأمريكية. وقبل أسابيع تساءلت فى هذا المقام عقب اقتحام ٤٠ عنصرا من مكتب التحقيق الفيدرالى منزل ترامب فى مارا لاجو عما إذا كنا نشهد الأيام الأخيرة لترامب أم لا؛ والآن فإنه يمكن الجزم أن الرئيس السابق لا تزال أمامه أيام كثيرة قادمة.

«مذكرات البيت الأبيض» نشرها جاريد كوتشنر – رجل الأعمال ومستشار الرئيس ترامب وزوج ابنته المفضلة إيفانكا - تحت عنوان: فتح التاريخ أو Breaking History. وفيما أعلم فإن ترامب كان أول الرؤساء الأمريكيين الذين لم يخجلوا من تعيين أهل أسرته المباشرة كمستشارين فى البيت الأبيض. لم يكن هناك خوف من اتهام الواسطة أو Nepotism الذى كان كافيا لإصابة الرؤساء الأمريكيين بأذى كبير؛ والغريب أن الأمر مر ببساطة، وبدا أن الشعب الأمريكى أو غالبيته التى انتخبت -٦٣ مليون صوت حصل عليها ترامب – كانت على استعداد للقبول بذلك. ولم يكن هذا الموقف الوحيد الذى قبل فيه الشعب الأمريكى ما لم يقبل به من قبل، فالرجل لم يقدم أبدا كما هى عادة المرشحين والأشخاص العامة أى نوع من الإقرار الضريبى خاصة وهو المليادير الكبير. أكثر من ذلك أنه أثناء الحملة الانتخابية تكشفت حول الرجل الكثير من الفضائح الجنسية والتحرش الجنسى الذى كان كافيا فى انتخابات سابقة للإطاحة بالمرشح. وحتى عندما ذاعت تحقيقات حول وجود علاقات خاصة بين ترامب المرشح وروسيا، وأن هذه الأخيرة لعبت دورا فى نجاحه رئيسا من خلال شركة فى بريطانيا تلاعبت بنتائج الانتخابات فى الولايات الحرجة، لم يكن لها تأثير على النتيجة النهائية. كان مدهشا ما حصل عليه من مغفرة الشعب الأمريكى فى مواقف كثيرة أثناء المناظرات التمهيدية مثل إهانة النساء والأقليات فى العموم. والحقيقة أنه لم يسبق أن اتحدت الصحافة الليبرالية الأمريكية، ومؤسسات البرج العاجى الثقافية فى شرق وغرب أمريكا، فى الوقوف ضد مرشح، وبعد ذلك رئيس، كما حدث مع ترامب، ولكنه فاز. وعندما خسر فعليا أمام بايدن، فإنه تمسك بأن الانتخابات زورت، وكانت هذه إهانة لقدس الأقداس الأمريكية التى تقدس الديمقراطية ونزاهتها الانتخابية.

كتاب جاريد كوتشنر جدير بالقراءة ليس لأن فيه كثيرا من التفاصيل حول الفترة الترامبية فى الرئاسة الأمريكية، أو لأن فيه الكثير من التفاصيل عن السلام الإبراهيمى فى الشرق الأوسط، أو المنافسات المعهودة فى البيت الأبيض بين من دخل ومن خرج، أو دهشة ملياردير أمريكى يهودى عند زيارته لعواصم عربية؛ وإنما لأخذ يد القارئ إلى فهم ترامب وسر قوته على الساحة الأمريكية حتى بعد أن خرج من البيت الأبيض. وفى الحقيقة فإن الكتاب ربما يكون الطلقة الأولى فى المعركة الانتخابية لعام ٢٠٢٤ التى تظهر من ناحية بايدن فى رفع سقف الاتهامات الموجهة إلى خصمه إلى مستوى "تهديد الديمقراطية الأمريكية" بتوجه فاشى يماثل ذلك الذى جرى فى ثلاثينيات القرن العشرين. كوتشنر لم يهتم كثيرا فى مذكراته بدفع الاتهامات التى وجهت لترامب، وإنما مر عليها مقللا من شأنها باعتبارها مجرد ألاعيب سياسية من خصومه الديمقراطيين. ترامب يخرج من المذكرات بطلا، وليس مهرجا، سياسيا حصيفا قادرا على اتخاذ قرارات صعبة، وليس محضا سياسيا يمضغ الكلام كما يفعل الديمقراطيون، وكثير من التكنوقراطيين أيضا، ولكنهم لا يعرفون الفعل. الشخصيات الرئيسية التى دافع عنها ترامب فى قراراته الاقتصادية والسياسية هم المنسيون The Forgotten الذين أعيتهم العولمة وقللت من حظوظهم لمصلحة دول أخري، وفتحت حدودهم على قوافل من القادمين الذين لا يضيفون وإنما يخصمون من ثروتهم مهددين لما لديهم من قيم وتقاليد. هؤلاء المنسيون من المواطنين الأمريكيين ينتشرون فى ولايات أمريكية باتت منهكة من المنافسة العالمية، وهى التى وقفت معه حينما كان فى مواجهة هيلاى كلينتون القطب العولمى الديمقراطي؛ والآن فإنها تترقب ما سوف تكون مواجهته القادمة مع جوزيف بايدن.

Rochen Web Hosting