رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد

التربية والتعليم عند الفراعنة

قسم : مقالات
الخميس, 22 سبتمبر 2022 16:47

ينظر الناس جميعًا وبلا استثناء إلى الفراعنة نظرة إعجاب واحترام، حتى أعداء الفراعنة والحاقدون على حضارتهم؛ هؤلاء الذين يناصبونها العداء لأسباب كثيرة لا داعى للخوض فيها الآن.. حتى هؤلاء لا يستطيعون إنكار مكانة الفراعنة العظيمة في التاريخ الإنسانى؛ ولا يستطيعون بحال من الأحوال إنكار فضل حضارة الفراعنة على البشرية.
والغريب أنه مع احترامنا وتقديرنا للفراعنة، لا نسأل السؤال المهم وهو: كيف استطاعوا نيل هذه المكانة التي لا ينازعهم فيها أحد إلى يومنا هذا؟.. والإجابة لا تحتاج إلى تفكير عميق أو إلى الغوص في أسرار الفراعنة!، فالسر يكمن ببساطة في كلمتين هما «التربية» و«التعليم».

لم يكن عند الفراعنة وزارة للتربية والتعليم، تضع الخطط والمناهج، ولم يعرف الفراعنة «سناتر» يُحشر فيها التلاميذ والطلبة كالسردين لتلقى العلم مقابل المال. ولم يكن عند الفراعنة قنوات ثقافية وأخرى حوارية أو تعليمية أو قنوات لربات البيوت تستضيف من يقولون عن أنفسهم إنهم متخصصون في علوم التربية والتعليم. لم يكن هناك في زمن الفراعنة سوى تربية وتعليم فقط، ولا شىء سوى ذلك.

والمدهش أن ما بقى من موروث تربوى وعلمى داخل صدورنا إلى يومنا هذا ولا يزال ينتقل بواسطة جيناتنا المصرية من جيل لآخر هو من نتاج الفراعنة، وهو نفسه الموروث الأخلاقى الذي لا يزال يقى الشخصية المصرية من عوامل الانحلال، كما سنُفصّل في عدد من المقالات.. ولكننا اليوم نركز على الطفولة في زمن الفراعنة كمدخل مهم لفهم ما حدث لأخلاق المصريين.

نصح الحكيم بتاح حتب قبل خمسة آلاف سنة، الشباب، بأن يتزوج ويصنع لنفسه مسكنًا وينجب قبل أن يتقدم بهم العمر فيولد أبناؤهم أيتامًا، على حد وصفهم. ولم يكتفِ بتاح حتب بتقديم النصيحة، وإنما شرح الأسباب، وهى رغبته في أن يصير الشاب صديقًا لابنه أو ابنته عندما يبلغان، ولكيلا يكون فارق السن بين الأب والأم وأطفالهما شاسعًا، والهوة عميقة بينهم، فلا يستطيع فريق منهم فهم الآخر!.

نعم.. إلى هذا الحد العقلانى كان الفراعنة يفكرون، وقد كان المصرى القديم ينجب الأطفال حسب مقدرته الاقتصادية وما يستطيع توفيره لأسرته. وكان أصحاب الأراضى الزراعية والإقطاعات الكبيرة لا يأنفون من إنجاب الكثير من الأطفال، أملًا في الكثرة والعزوة التي تنمى وتحافظ وتدير ما لدى الأسرة من ثروة.

اهتم الفراعنة بظهور الأبناء دائمًا مع الآباء والأمهات، وانتشرت التصاوير العائلية داخل المقابر، وكذلك لون من التماثيل المنحوتة التي تعرف بـ«التماثيل العائلية»، وفيها يصور الأب والأم إما في وضع الجلوس أو الوقوف ومعهما أطفالهما، وتلك كانت الصورة المثالية للأسرة في زمن الفراعنة الجميل، حيث تبدأ العناية بالطفل قبل مجيئه إلى الدنيا بالعناية بصحة المرأة الحامل.. ويدهش المرء عندما يقرأ نصائح الفراعنة وإرشاداتهم للمرأة الحامل بالحفاظ على حملها وإنجاب طفل صحيح البدن.. ومع لحظة الميلاد، يتم فحص المولود والتأكد من سلامته. ووصل بهم الحال إلى تمييز صراخ الوليد لحظة ميلاده، ومن خلاله كانوا يستطيعون معرفة ما إذا كان المولود طبيعيًا، وأنه سيعيش، أم أنه غير ذلك، وبالتالى سيواجه خطر الموت!.

وبمجرد خروج المولود للحياة، يتم تزويده بعدد من التمائم التي تصوروا أنها توفر الحماية السحرية للمولود من العين الشريرة وعين الحسد كذلك. وأهم التمائم التي كانت إما تعلق في رقبة المولود أو تعلق بملابسه تميمة عين الأوجات الزرقاء التي تحمى المولود من شر الحسد وعين الحسود.. تميمة إيزيس، وتميمة بس وتاورت، وغيرها الكثير من وسائل الحفظ والحماية السحرية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل كانت هناك التعاويذ والرُّقَى السحرية التي تُلقى على الأطفال عندما يمرضون أو يبكون دون سبب واضح، كأن تقول الأم: «اِنصرف يا زائر الظلام الزاحف على أنفك ووجهك، لا نعرف سبب مجيئك، هل أتيت لتقبل الطفل؟ أنا أمنعك أن تفعل! هل أتيت لتدلل الطفل؟ أنا أمنعك من ذلك! هل جئت لتؤذيه بِشَرّ؟ أنا أمنعك من ذلك! هل جئت لتأخذه بعيدًا عنى؟ أنا أمنعك من ذلك!». ويشبه ذلك إلى حد بعيد الرقى والتعاويذ التي لا تزال مستخدمة في ريف وصعيد مصر إلى الآن، حيث لا يزال كثير من الأمهات يقومن بحرق البخور، وهى عادة فرعونية، وهن يلقين التعاويذ مثل: «انصرف يا عين الحسود، انصرف يا عين الجن الشرير...».

ومخطئ من يعتقد أن الفراعنة اعتمدوا على السحر في حماية وشفاء الأطفال من الأمراض، ولكن- كما قلت- كانت إحدى وسائلهم التي لا ننكرها. ولا نحتاج لدليل على تقدم علوم الطب في مصر القديمة، فقد نجح أطباؤهم في تشخيص الأمراض ووصف الدواء المناسب. وكانوا أعلم أهل الأرض بتشريح الجسد الإنسانى وفهم وظائف الأعضاء. وكان لدى الفراعنة أطباء متخصصون في طب العيون وطب الأسنان وأمراض القلب والباطنة والعظام. ونال الأطفال في زمن الفراعنة عناية طبية متميزة ومتوفرة لكل طبقات المجتمع، فالطبقات الفقيرة تلجأ لأطباء المعبدالمسجلين لديه والمعتمَدين من معلميهم، وكان هناك الطبيب الخاص بالأسر النبيلة يتم استدعاؤه عند الحاجة، كما كان هناك الطبيب الملكى المهتم بصحة الملك وأفراد العائلة الملكية.

اهتم المصريون القدماء بنظافة الجسد وسلامة الجلد وحمايته، ويقال إن غسل المولود كان ضمن الاحتفال بيومه السابع في الحياة، وعبوره مرحلة الحرج واكتمال حواسه.. وكان الاستحمام عادة مفضلة لدى الفراعنة، يعقبها تعطير الجسد بالزيوت العطرية التي كان منها النفيس للأثرياء، ومنها المتواضع المتوافر في الأسواق للعامة.

واستحب الفراعنة عادة قص شعر الأطفال سواء البنات أو الصبية، وذلك حماية لرؤوسهم من الآفات، وحفاظًا على نظافة أبدانهم، وكان يميز الأطفال وجود ضفيرة شعر واحدة على جانب الرأس تبدع الأم في تسريحها وتضفيرها بأشكال مختلفة لكى يكون طفلها في أجمل هيئة.

تمتع الأطفال بمساحات كبيرة من الحرية في سنوات عمرهم الأولى، فكان من حقهم اللهو واللعب مع أقرانهم، سواء داخل القصور أو في حدائق القصور وتحت أعين الخدم أو في الشوارع والأزقة الضيقة في القرى، وتحت أعين الأمهات أو الأبناء الأكبر سنًا في حال انشغال الأم بأعمال المنزل.

وكانت التربية تبدأ في المنزل، وتعتمد بداية على ما تعود الأطفال على طريقة معاملة الزوج والزوجة كل منهما للآخر، ثم كيف يتعامل الآباء مع من هم أكبر سنًا مثل الأجداد.. فمثلًا كانت العادات والتقاليد تتوارث من جيل لآخر. كان من سوء الخلق أن يقف الكبير والصغير جالس، أو أن يتكلم الصغير في حضور الكبير، أو أن يمد الصغير يده إلى الطعام قبل الكبير.. وهكذا!.

والطريف أن حكماء الفراعنة حدثونا عن نماذج مشاغبة، وأطفال وتلاميذ كانوا يحتاجون إلى تقويم وتعديل في السلوك، ولم يعدم هؤلاء الوسيلة والحيلة لعلاج الطفل سيئ الخلق، بل لقد نصحوا باستخدام العصا، لا للضرب أو التعذيب، ولكن للترهيب. وقالوا إن الاهتمام بالطفل والإصرار على تعليمه يكسر شوكة عنادهم ويلين جانبهم، فيخضعون في النهاية، ويلتزموا طريق الصواب.. بمعنى آخر: لا يجوز أن نفقد الأمل في الإصلاح مهما كان حجم المشكلة، ففى النهاية سيغلب المشاغب على أمره ويلين جانبه ويقوده عقله إلى الطريق القويم.

يشب الأطفال من طور الطفولة، فيبدأ الأهل في اختيار وتحديد مستقبل أبنائهم، إما بتعليمهم ونقل خبراتهم إليهم بأنفسهم، فيكبر الابن ليرث صنعة أو حرفة أبيه.. أو يتم تعليمهم في المدارس الملحقة بالمعابد، ليكون منهم الكتبة والمهندسون والأطباء والحسبة، وما إلى ذلك من الحرف والمهن التي تتطلب مهارات معينة.. ولكن في الأغلب كان الابن يرث مهنة أبيه، فالكاتب مثلًا يحفز أبناءه على تعلم القراءة والكتابة مختلف مهارات الكتابة لكى يصبحوا مثل أبيهم. وبالتالى عثرنا على نص طريف يعظ فيه كاتب ابنه بالتعلم كى يصير كاتبا مثله، وهو في سبيل ذلك بدأ يعدد لابنه مساوئ حرفة الفلاحة وحرفة الصيد والحدادة وغيرها، وبشكل لا يخلو من خفة ظل وتحامل وكأنه يقول لابنه: «لو لم تصبح كاتبًا، فسترى عذاب وشقاء المهن الأخرى».

كان الأب يصطحب أسرته نهاية كل أسبوع للتريض والتنزه وممارسة صيد الأسماك أو الطيور البرية لأنواع من البط والأوز، كما كان البعض أيضًا يذهب مع أبنائهم، خاصة الذكور لصيد حيوانات الصحراء.. وكانت تلك مناسبات مهمة لاجتماع الأسرة ونقل الخبرات والتعلم ومراقبة الآباء لسلوك الأبناء.

أوصى حكماء الفراعنة الشباب بحسن معاملة الآباء، وقال أحدهم لشاب: «أتذكر حين كانت أمك تحملك على كتفها وتذهب بك إلى المدرسة لتتعلم وتظل تنتظرك إلى أن تنتهى من دروسك لتعود بك إلى المنزل، حيث تقوم بطهى طعامك وغسل ملابسك وتنظيف جسدك!. إن الإله ليرضى برضاء الأبوين عن ابنهما».

Rochen Web Hosting