رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد

أخطاء الضرورة

قسم : مقالات
الإثنين, 21 نوفمبر 2022 13:16

«كلنا لنا أخطاء».

 

كتب الأستاذ مصطفى أمين هذه الجملة فى كتاب له، صدر فى بيروت سنة ١٩٧٤، غير أن سياق الوقائع فى الكتاب تؤكد أنه كتب سنة ١٩٦٨. الكتاب، فى الأصل، رسائل مطولة كتبها فى السجن إلى صديقه الصحفى اللبنانى سعيد فريحة، والحق أن كتاب «صاحبة الجلالة فى الزنزانة» من أهم كتب مصطفى أمين، لأنه يقدم فيه تأريخًا للصحافة المصرية فترة اشتغاله بها، يكاد أن يكون سيرة ذاتية/ مهنية، تتجاوز مصطفى أمين نفسه وتمتد إلى عدد من مجايليه وأساتذته محمد التابعى، توفيق دياب، فكرى أباظة، جبرائيل تكلا وغيرهم، لا يقف الأمر عند حدود الأسماء بل يشمل كذلك بعض المؤسسات مثل «نقابة الصحفيين» فى بداياتها، والأهرام ودار الهلال، فضلًا عن آخر ساعة وأخبار اليوم، تأريخ يمتلئ بالتفاصيل والوقائع الدقيقة، التى تتجنب أو «تترفع» الكتب والدراسات الأكاديمية أو المدرسية عن الالتفات إليها. كان مصطفى أمين يتحدث عن جريدة «البلاغ» ودورها المهنى والسياسى، خاصة أن ثمة معارك صحفية طاحنة شنها هو على ما تقوم به البلاغ وهم بالمثل ردوا عليه، كانت أخبار اليوم تهاجم حزب الوفد بضراوة، تركز الهجوم على مصطفى النحاس وزوجته السيدة زينب الوكيل، وكانت البلاغ تدافع بقوة عن زعيم الوفد، كان يثمن دور البلاغ ولا ينفى الأخطاء التى وقعت فيها، اعتبرها هو «أخطاء الضرورة»، وفسرها بأنها «ضريبة اضطرت أن تدفعها فى بعض العهود»، توقفت البلاغ عن الصدور سنة ١٩٥٣، حين بدا أن المناخ العام لم يعد مواتيا أمامها للاستمرار.

بعض المطبوعات ترتبط بشخصية مؤسسها ومواقفه، التى لا تحتمل تلاعب بعض الأطراف، مثل جريدة «الأخبار» التى أسسها أمين الرافعى سنة ١٩٢٦وكان مخلصًا لمبادئ الحزب الوطنى، ثم وجد تدخلات الإنجليز وضعف الأحزاب أمامها لا يحتمل فتوقف، وجريدة الجهاد التى أسسها ورأس تحريرها توفيق دياب، وهاله أن مصطفى النحاس زعيم الوفد ورئيس مجلس الوزراء يقبل نظارة أحد الأوقاف لزيادة دخله، فانتقد هذا المسلك بشدة وكتب «لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى»، أغضب موقفه زعماء الوفد وغضب هو مما اعتبر «نفاق» صحف الوفد لزعيمه، وكان أن قرر أن يوقف بنفسه جريدته.

وبعض المطبوعات يرتبط ظهورها واستمرارها بلحظة وظرف تاريخى محدد ومناخ بعينه، فإذا تغير الظرف وتبدل المناخ، تراجعت واختفت تلقائيا، إذ تفقد القدرة وربما الرغبة فى التكيف مع لحظة مغايرة لتلك التى ولدت فيها، هكذا كان حال جريدة المؤيد التى أسسها الشيخ على يوسف، وجريدة اللواء التى أصدرها الزعيم مصطفى كامل تعبر عنه وعن منهجه فى الحركة الوطنية. بعد حل الأحزاب سنة ١٩٥٣، توقفت عدة صحف على هذا النحو، البلاغ كانت واحدة منها.

بعض الصحف يتوقف ويحتجب إثر معركة كبرى، تسقط فى الميدان، بعضها يسقط إثر غارة مالية تشن عليه شراء وبيعا أو إثر إفقار وإفلاس، وبعضها يختفى دون معركة وبلا قتال، العمر الافتراضى له ينقضى، لا هزيمة ولا أخطاء.

المشكلة أن مطبوعة ما، ينتهى عمرها الافتراضى وتظل تصدر دون تجديد أو تطوير فتصبح عبئا على تاريخها ومصداقيتها، لذا كان قرار توقف البلاغ صائبا، رغم فداحته بالنسبة لمن تابعوا تلك الجريدة.

وتحتاج «أخطاء الضرورة»، أن نتوقف عندها، القصد هنا الأخطاء المهنية، وهناك فى كل مهنة أخطاء تقع وترتكب، فى الطب وفى الصناعة والهندسة، أخطاء الصحافة، يكون خلفها ظروف عديدة، بعضها قد يتعلق بندرة أو شح المعلومات وغياب المصادر، بعضها ينتج من مواقف سياسية أو حزبية وقد تكون أيديولوجية؛ ربما يكون هذا الاقتناع هو الذى جعل مصطفى أمين فى الكتاب نفسه يحاول أن يرد الاعتبار للملك فاروق، خاصة فى الشائعات والأساطير التى رويت عن علاقاته النسائية وفحولته، تبنى هو فى كتابه «ليالى فاروق» ذلك الاتجاه وروج له، بعض الوقائع والوثائق تكشف العكس، يقول الأستاذ مصطفى فى كتابه عن صاحبة الجلالة فى الزنزانة «لم يكن فاروق بزئر النساء الفتاك الذى كان يحب أن يوهم به الناس، بل لقد ثبت أنه كان ضعيفا جدًا فى الناحية الجنسية، وكان يهوى الاستعراض...». صفحة ٦٧ و٦٨.

فى سنة ١٩٩٦، كنت أقوم بتحقيق تاريخى حول علاقة الملك فاروق بزوجته الملكة فريدة، وهالنى ما وجدته من وثائق تثبت أن الملك لم يكن مخطئا على طول الخط، كان ضحية فى عدد من المواقف، بل إنه تعرض لحملة ضارية من أطراف عديدة وهو فى الحكم، امتدت حتى إلى أدق خصوصياته، أهمية شهادة مصطفى أمين أنه كان معاصرًا تلك الأيام وفى المطبخ من الداخل، وكان وثيق الصلة بالأطراف كافة، بيت الأمة وقصر عابدين وأيضا عدد من السفارات الأجنبية، خاصة البريطانية والأمريكية. المعروف أن حادث القصاصين الذى تعرض له الملك أثر على عموده الفقرى، وعلى الكثير من قدراته، كانت سيارة ضخمة من سيارات الجيش البريطانى اصطدمت بسيارة الملك سنة ١٩٤٣، عند القصاصين، كاد الحادث أن يودى بحياة الملك، واعتبرها المسؤولون المصريون مقصودة بهدف التخلص من الملك، خاصة أن الحادث وقع أثناء الحرب العالمية الثانية، وكان المحتل البريطانى يشك فى أن للملك تعاطفًا وميلا مع دول المحور، لو أن الحادث وقع قبلها بعام، كان ممكنا اتهام بريطانيا، لكن بعد تراجع روميل وهزيمته فى الصحراء الغربية خفت حدة كراهية بريطانيا لملك مصر، وتراجع السفير البريطانى «مايلز لامبسون» عن صلفه الشديد مع الملك وحاول أن يكون ودودًا معه، بريطانيا اعتبرت الحادث عاديا، أى ليس مقصودًا، المهم نجا الملك من الحادث، واعتبر حادثا بسيطًا، أدى إلى شرخ محدود فى العمود الفقرى، وأقر الأطباء بذلك وسمحوا للملك بمغادرة المستشفى بعد يوم واستكمال العلاج فى القصر، لكن آثاره ظلت تلازمه حتى وفاته، وقع خلل فى الغدد أدى إلى ترهل جسم الملك.

كشف مصطفى أمين حقيقة الشائعة التى لاحقت الملك حول علاقته بزوجة طبيب شاب، وأن الملك أمر بقتل الطبيب حين ضبطه الأخير مع زوجته، انتشرت الشائعة أكثر وتحولت إلى حقيقة مؤكدة بعد تنازل الملك عن العرش. وقد قامت ثورة يوليو بفتح الملف كاملًا والتحقيق فيه، ولا أفهم لماذا تم التحقيق؟، إلا إذا كان بعض رجال يوليو صدقوا الشائعة، أو ليقفوا على حقيقة الانتشار المدوى لها، خاصة أن عديدا من المقالات والدراسات والأعمال الدرامية دبجت حولها.

لو أن الملك أراد هذه السيدة لن يذهب إلى بيتها، وسط الأهل والجيران، لم يكن الرجل يعانى أزمة سكن أو مقر، ولن يحدث ذلك دون ترتيب معها واتخاذ الكثير من الاحتياطات، وبالتأكيد كان رجاله سيعطلون بأى طريقة وصول الزوج إلى البيت فى ذلك التوقيت، المهم حقق رجال يوليو وثبت طهارة الزوجة المسكينة وبراءة الملك، الحكاية أن الزوج الشاب انتحر لأنه كان على علاقة بممرضة تعمل معه وضغط عليه والده الوزير السابق ليتزوج بأخرى اختارها له ويجنب العائلة «فضيحة» الزواج من ممرضة، كان الوالد طبيبا كبيرًا، أطباء ذلك الزمان، خاصة الكبار منهم، كانوا يحملون موقفا شديد الازدراء للممرضة، تزوج الشاب لكن استمر فى علاقته القديمة، ضغط الوالد أكثر وأكثر لينهى ابنه تلك العلاقة، تخوفا من أن يصل أمرها إلى أسرة الزوجة، لكن الضغط خلق لدى الابن شعورًا بالإهانة والإذلال، فتخلص من حياته، يبدو أنه كان هشا نفسيًا، وأضاف مصطفى أمين الكثير من المعلومات لديه خارج التحقيق الرسمى، مثل أن فؤاد سراج الدين أثار القضية وقتها فى مجلس النواب ومنعت الرقابة نشر الخبر حرصًا على مشاعر والد الزوج، فضلًا عن والد الزوجة الذى كان أحد كبار الباشوات، على الفور تحركت المخيلة الشعبية لتلصقها بالملك، كان مصطفى أمين يدلل على مضار الرقابة على الصحف. وعموما لم تنشر نتيجة التحقيق بعد يوليو ٥٢. احتفظوا بالنتيجة فى الأدراج.

أخطاء الضرورة، يمكن أن توجد فى كل مهنة وكذلك فى كل مرحلة، المهم أن يكون هناك تعريف أو اتفاق على ما يمكن أن نعده كذلك.

هل هو ذلك الذى تطلق عليه اللغة العامية «شىء لزوم الشىء»، أى أن وقوعه ضرورة أو حتما، وهو كذلك يكون بسيطا، من السهل تقبله وتحمله، أى لا يحدث ضررًا كبيرًا ولا يؤدى إلى أزمة، ناهيك عن أن يكون كارثة.

ما أفهمه أنه خطأ لم يكن مقصودًا ولم يكن هناك مفر من الوقوع فيه، قد يقع فيه الصحفى، خاصة إذا كان يقوم بتغطية ميدانية فى الشارع أو موقع ما، دون أن تكون جوانب المشهد كاملة متاحة له، وقد يكون مدسوسًا بأحكام على صحفى أو مطبوعة ما، كما وقع مع د.محمد حسين هيكل (باشا) رئيس تحرير جريدة السياسة، فيما عرف باسم قضية «الوثائق المزورة»، وكان الهدف منها هز مصداقية هيكل باشا شخصيا وجريدته.

«خطأ الضرورة» هل هو دائما خطأ فردى أم يمكن أن يكون جماعيًا، تقع فيه مجموعة كاملة، مثلا، هيئة تحرير مجلة أو جريدة بالكامل، وهكذا.

فى مايو٦٧، حين بدأت الأزمة مع إسرائيل، نشر كبار الكتاب مقالات فى الصحف تشجع عبد الناصر على مواصلة التصعيد وضرورة دخول الحرب، كلهم، كلهم شجعوا وهتفوا، ثم تبين أن ذلك كان خطأ كبيرًا وأنه بقليل من الهدوء والتدقيق، كان يجب أن يتم التريث والتردد، لم نكن حربيًا فى موقف متميز، كان الكثير من تفاصيل ما يجرى فى اليمن معروفا، على الأقل لكبار الصحافيين والكتاب. كذلك الأمر فى مجال الاقتصاد، فضلًا عن أن خوض الحرب يعنى تعطل مشروعات التنمية و.. و.. و.. و.

سياسيًا كان هناك تربص واضح من أطراف دولية بمصر، وضحت مؤشراته منذ سنة ١٩٦٥، الرئيس عبد الناصر اعترف، فى خطابه يوم عيد الثورة بعد الهزيمة بوجود تلك المؤشرات أمامه منذ فترة طويلة.

كان أمر كبار الكتاب مختلفا، هم يرون المشهد فى العالم أكثر، وهم ليسوا غارقين فى المطبخ السياسى، أى أنهم يتابعون من الداخل ومن الخارج، ومساحة الرؤية والاطلاع لديهم أوسع وأرحب.

لم يقتصر الأمر على مقالات كبار الكتاب فقط، بل إن السياسة التحريرية لكل الصحف والمجلات تبنت تلك الخطوة؛ دعنا- الآن- من أن كثيرين تنكروا فيما بعد لهذا الموقف وأنكروه، بل إن هناك من زعم العكس، هل نلومهم على ذلك أم نعده فى باب «أخطاء الضرورة»؟، ومن يتحمل مسؤولية ذلك الخطأ، إذا صح اعتباره كذلك؟.

خطورة مثل هذا المفهوم أنه يمكن أن يكون مبررا لأى شىء يقع، حتى لو تجاوز حدود الخطأ «خطأ الضرورة»، ليكون منهجًا عامًا، أسلوب عمل، ممارسة دائمة، وفاتحة لتجاوزات وخطايا مهنية وإنسانية واجتماعية وربما وطنية كذلك.

الحديث ممتد.

 

Rochen Web Hosting