لا سحر ولا شعوذة: إنه ذكاء اصطناعي
سوف يأتى زمن ربما يعيشه أحفادنا، يبحثون عن الكتب فى مواقع الإنترنت تماماً كما يقرأون الصحف الآن على الإنترنت، زمن لن يكون فيه «هيكل» مرجعيتهم السياسية ولا «نزار» رائد الرومانسية، سوف تصبح رموزهم من رواد الفضاء ورموز الاكتشافات العلمية، وسوف تصبح لغتهم «شات جى بى تى» بعد أن يتطور.. مثلما أصبح الإنترنت بديلاً للاب توب، والمنصات المدفوعة بديلة للفضائيات.. سوف يبتكرون عالماً أفضل، عالم لا مجال فيه للبيضة والحجر ولا للدجل ولا للسحر ولا ربط للعريس ولا عنوسة للبنت.
عالم «شفاف» لا مجال فيه للرشاوى ولا للجريمة بشكلها الحالى، سوف تصبح حتى جرائمهم «مُخلَّقة أو صناعية»، وربما لن يكون فيه رجال الدين (المسلم والمسيحى) بشكلهم الحالى ولا لهم السطوة التى نعيشها، سوف تصبح سيطرتهم على البشر «محدودة جداً».. فالأجيال القادمة لن تحتاج لرُقية ولا لفتوى، سوف تكون علاقتهم بالخالق «عقلانية»: الدين علاقة فردية بين الإنسان وربه، والعقل مناط التكليف سبيلهم لتفسير القرآن والسنة، والتراث قابل لإعادة القراءة والنقاش، ولا توجد لديهم ثوابت إلا النصوص المقدسة.
ولكل هذا بعض رجال الدين خائف إلى درجة الرعب من التقدم العلمى المذهل، الذى همَّش إلى حد كبير بإعلامه الكاشف وفنه العبقرى «يوميات الرعب» من الآخرة: فيلم «بحب السيما» يشرح الفرق الشاسع بين أن تحب الله أو تخاف منه، مسلسل «الحشاشين» يفضح عمليات الاحتيال التى يسيطر بها «الأمير حسن الصباح» على أتباعه.. فإن كان الفن والإعلام لعبا هذا الدور فى إيقاظ العقول فما بالك بالتقدم التكنولوجى!
سوف يأتى اليوم الذى يصبح فيه «الذكاء الاصطناعى» مثل محو الأمية، سوف أعد لكم الاختراعات التى حضرها جيلى: التليفزيون الملون، القنوات الفضائية، الموبايل، الكمبيوتر- اللاب توب، الشفرة الوراثية، الرحلات الفضائية.. حتى مترو الأنفاق كان إنجازاً، والآن المونوريل الذى لم نره من قبل، (حين رأيت قطاراً بلا سائق فى إنجلترا خفت من ركوبه)، حتى التليفريك الذى لم نره إلا فى لبنان أصبح فى العين السخنة.. إلخ.
أما الذكاء الاصطناعى فهو يعادل اكتشاف الحاسب الآلى والمركبات الفضائية.. وبينما العالم المتقدم يُجرى جراحات دقيقة باستخدام «الروبوت»، وتستقدمه مصر فى «منتدى شباب العالم» ليتعرَّف الشباب على التقنية الجديدة، وفى وقت يطالب فيه رئيس الدولة «عبدالفتاح السيسى» بتعليم الأبناء «البرمجة والذكاء الاصطناعى» لأنها علوم المستقبل القريب، يبكى الدكتور «أحمد كريمة» على الهواء قائلاً إن الذكاء الاصطناعى هو دجال العصر الحديث، متابعاً: «أدعو الله ألا أرى هذا الزمان، لأن المرحلة الأخيرة على علامات الساعة اقتربت».
ويدَّعى أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف أن استخدام التقنيات الحديثة فى الأمور الدينية سيؤدى إلى الإلحاد، مضيفاً: «يريدون إلغاء الذى خلق، وفى هذه الحالة سيصبح الإنسان عبداً للآلة».. من الذى أدخل فى رأس «كريمة» أن استخدام التقنيات الحديثة فى الأمور الدينية «سيؤدى إلى الإلحاد».. وماذا يقصد بالتقنيات الحديثة؟.. الإنترنت ملىء بالمواقع الإسلامية والمسيحية، تفسير القرآن بالكامل على موقع جوجل، الأزهر ودار الإفتاء لهما مواقع على الإنترنت والسوشيال ميديا، (كل هذه تقنيات حديثة إن كان لا يعلم)، هو شخصياً يظهر على الفضائيات «تقنية حديثة» وله موقع على اليوتيوب.. أما الذكاء الاصطناعى فهو لا يعرفه ليحكم عليه.. جيلى لا يعرف منه إلا «شات جى بى تى».. ولماذا «فوبيا الإلحاد» التى تكفر حتى «الآلات».. طبعاً الروبوت كافر من وجهة نظره!
يستنكر «كريمة»: (فكرة عمل روبوت يقوم بالحمل ورعاية الطفل خلال الـ9 أشهر حرام).. وينفعل على الهواء قائلاً: «ما هذا الأمر، كيف يقوم جهاز بوضع الجنين به، وماذا بعد، الولادة، من سيقوم بالرضاعة، ورعاية الطفل؟»!!.
ومن قال إننا فى مصر سوف نفعل هذا؟.. فى مصر ممنوع الإجهاض وممنوع عمل تلقيح صناعى من غير الأب وممنوع إجراء تجارب تأجير أرحام، نحن بالنسبة لنا كل هذا «خيال علمى» لن نصل إليه!!
ليس من حق رجال الدين محاكمة الاختراعات العلمية، تكفيكم نظرية الأرض التى تقف على قرن ثور وجناح الذبابة المفيد للصحة هو وقرص النحل: «ارحمونا».
لقد بدأت متابعة للدكتور «كريمة» بمقال بعنوان «آخر الرجال المحترمين»، وانتهت بتغير مواقفه «كلها» بعد تركه لعضوية مجلس إدارة «المجلس القومى للمرأة»، فتغير موقفى إلى كشف لتناقضاته: يطالب بتعدد الزوجات (على الزوجة إعانة زوجها المتغرب على الزواج بأخرى بدلاً من ارتكابه الفاحشة).. (المرأة المصرية بعد إنجاب طفلين تنسى الأنوثة ويصبح عندها برود عاطفى، وينصحها «كريمة» بأن تتعلم «الغندرة» من المرأة الشامية)!!.. (تحليل DNA ليس دليلاً شرعياً لإثبات النسب)!!.. إلخ أفكاره المناهضة للمرأة المعادية للمجتمع، وفى المقابل يتحدث عن ترشحه لجائزة «نوبل» التى لا يعلم عن شروط الترشح لها شيئاً ولا المجالات التى تُمنح فيها، وهكذا تدركون أنه يعيش خارج السياق الزمنى.. إلا إذا كان يفترض أن نوبل للسلام قد أصبحت نوبل لـ«السلام عليكم»؟
آفة المجتمعات العربية - الإسلامية أنها تسمح لرجل الدين بأن يُفتى فى الطب والاقتصاد والسياسة والفن والكرة.. أما حالة الدكتور «أحمد كريمة» فتفرض علينا مناقشة «اعتزال رجل الدين» ففى سن معينة يجب ألا يطرح الإنسان أفكاراً هدامة، فالشيخوخة تختلط بالنسيان وبداية الخرف، وهذا يحدث لأى إنسان.. لقد حدد القانون للقضاة سن المعاش، وهو ما يجب أن يطبَّق على رجال الدين والإعلام والصحافة وكل من يؤثر فى الرأى العام.. القاضى يحدد مصير إنسان ورجل الدين يحدد مصير ملايين البشر بفتوى.



