الحصار.. والمتحايلون
ما إن تقف فى شارع أو فى إشارة، أو تجلس فى مكان طلباً للراحة، أو تخرج من سوبر ماركت، حتى يحاصرك المتسولون من كل شكل ولون: شباب وكبار وسيدات (منتقبات ومحجبات وعاديات) وأطفال (من الجنسين). تعود إلى البيت تدير التليفزيون تتوقف أمام أحد المسلسلات التى تحبها تسترخى وتشاهد، فجأة يظهر لك فاصل إعلانى يدعوك للتبرع لإنشاء وصلة مياه، تمسك بالريموت وتغير المحطة، يظهر لك إعلان آخر يدعوك إلى التبرع من أجل حفر «بير»، تغير المحطة من جديد، تفاجأ بإعلان يدعوك للتبرع لمستشفى، أو لزرع نخلة، أو لأسرة فقيرة.
تتحايل هذه الإعلانات على المشاهد بنفس الطريقة التى يتحايل بها المتسول على أخيه المواطن فى الشارع، حين يذكّره بالقرآن الذى يدعوه إلى الزكاة والإنفاق والتصدق على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، وأحاديث حضرة النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا السياق، ويغريه بالثواب الكبير الذى سيعود عليه، وكيف أن الحسنة القليلة يمكن أن تمنع عنه «بلاوى كتيرة»، وأن ما تفعلوا من خير يوف إليكم، بالإضافة بالطبع إلى استثارة عواطف ومشاعر الفرد حتى يضع يده فى جيبه ويخرج الصدقة، مثل الشكوى من أوجاع الفقر والحاجة والعوز، والشكوى من الجوع وأنه يريد ثمن رغيف خبز يأكله، أو الاستثارة بالطفولة الضعيفة البريئة التى لا تجد قوت يومها، أو استدرار العطف بالمرض والعجز وهكذا.
ظاهرة التسول فى مصر تطورت بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، وانتقلت من مربع الهواية إلى دائرة الاحتراف، فهناك مئات الألوف من الأفراد الذين يحترفون التسول ينتشرون فى كافة الجهات، ويخرجون لك من كل الشوارع والنواحى والشقوق، وهناك أيضاً التسول الذى يأخذ شكلاً مؤسسياً من خلال جمع التبرعات أو زكاة المال أو زكاة رمضان أو الصدقات وغيرها لدعم مشروعات معينة توصف بـ«الخيرية».
جانب الاحتراف يتجلى فى عدة مؤشرات، أولها: «الإلحاف» ويقوم المتسول من خلاله بمطاردة الهدف بالحديث والتكرار والوقوف والانتظار، حتى يستسلم الفرد ويدفع ليتخلص من حالة الضغط النفسى التى يضعه المتسول فيها. الشخص الطبيعى تظهر على سيماه علامات الحاجة إلى المال، أما المحترف فهو من يسأل الناس إلحافاً.. قال تعالى: «يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا». المؤشر الثانى للاحتراف استخدام الأدوات الحديثة فى التسول، فالتسول الذى يأخذ شكلاً مؤسسياً يعتمد على الإعلانات التى تحاصر الفرد من كل الاتجاهات وتذكره باستمرار بأن يدفع حتى يعين غيره على أعباء وابتلاءات الحياة، والأفراد الذين لا يمتلكون بالطبع القدرة على الإعلان يلجأون إلى الوسائل الرقمية بالتسول عبر منصات التواصل الاجتماعى، والتى قدمت وسيلة سهلة لذلك. المؤشر الثالث للاحتراف تجده فى الثروات والأرقام المدهشة التى يستطيع المتسول أن يحققها، كما يحدث حين يتم ضبط أحد المتسولين ويكتشف المتابعون أن لديه آلاف الجنيهات، وأن بعض المؤسسات التى تعتمد على جمع التبرعات والصدقات تحصد مليارات الجنيهات سنوياً من أموال أهل البر والخير.



