رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

الحفظ أم الفهم أم يكفي الميكروفون؟

قسم : مقالات
الجمعة, 26 ديسمبر 2025 19:10

 

 

كنت محظوظة لأكثر من مرة، حين منحنى المولى عز وجل فرصة أداء فريضة الحج مرتين، وهى تجربة «ملهمة» بالمعنى الحرفى للكلمة، رغم ما فيها من مشقة بدنية، إلا أنك لا تتذكر منها إلا الحالة الروحية التى عشتها.. وغالباً تكون الأكثر حظاً إذا تيسّر أن يكون محل إقامتك بالقرب من الحرمين الشريفين.. أما إن كنت تسكن بعيداً فسوف تشعر بشدة الزحام ليلة الصعود لمسجد عرفة، لدرجة تشعر معها أن الأرض افتُرشت بالمصلين (حُجاج الداخل من المقيمين).. سوف تسمع ساعتها عبارة «كل مكة حرم»، صلِّ فى أى مكان قريب! ساعتها سوف تتساءل: كيف أصلى فى أى مكان دون أن أسمع الأذان من الكعبة، بل سمعته من التليفزيون؟ ستُفاجأ بأن البلدة القديمة لمكة والمدينة قد دخلت بالكامل فى توسعة الحرمين الشريفين.. لتدرك أن إيمانك الداخلى لا علاقة له بالصوت، ولا يمنعه الضجيج والزحام: أنت تتّصل بالله عز وجل بلا وسيط.. وهو «السميع العليم».


وحين قيّدت المملكة العربية السعودية فى عام 2021 استخدام مكبرات الصوت لرفع الأذان والإقامة فقط، ومنعت استخدامها للصلوات الأخرى وقراءة القرآن، استجابة لشكاوى المواطنين من الضوضاء والتشويش، وحفاظاً على هيبة المسجد، وتطبيقاً لقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» مع وضع ضوابط فنية للصوت وتوزيع السماعات الداخلية والخارجية للتقليل من الإزعاج.. بدأ الناس يبحثون عن رأى «العثيمين» فى هذا الشأن.

والشيخ محمد بن صالح العثيمين (1929-2001) عالم دين وفقيه ومفسر سعودى بارز، كان المفتى الأسبق للسعودية، وكان قد تطرّق لهذه القضية، وفيما يلى كان تعليقه: «قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً﴾، وأما نقل الصلاة عبر مكبرات الصوت من على رؤوس المنابر فإنه، كما قال السائل، فيه تشويش على الناس فى بيوتهم وشل لأذكارهم وتسبيحاتهم الخاصة».. وتابع قائلاً: «وربما يكون فيه إزعاج لبعض النوَّم والمرضى الذين لم يجدوا راحة إلا فى ذلك الوقت، وأنه أيضاً أذى للمساجد الأخرى التى بجوار هذا الصوت وتشويش عليهم.


وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديثين صحّحهما ابن عبدالبر أنه سمع الصحابة رضى الله عنهم يقرأون ويجهرون فنهاهم عن ذلك وقال: «لا يجهر بعضكم على بعض فى القراءة». أو قال: فى الصلاة وفى لفظ آخر: «لا يؤذين بعضكم بعضاً». وذكر أن ليس للإنسان أن يجهر جهراً يشوش على المصلين».
وقبل أن تنكروا كلامه وتشككوا فى الحديث نفسه أعود معكم لرأى إمام وفقيه هواة رفع الأذان والقرآن من ميكروفون المسجد وكاسيت الميكروباص والتليفون المحمول إن أمكن، وقبل أن تشمر عن ساعديك لترمينى بالكفر، والزندقة والإلحاد والعلمانية... إلخ قاموس البذاءة استمع إلى الشيخ «محمد متولى الشعراوى»، فى فيديو لم يتخطَّ الدقيقة والنصف، انتقد فيه «الشعراوى» استغلال بعض الأشخاص لـ«ميكروفونات» المساجد قبل ساعة كاملة من صلاة الفجر، وقال: «اسمها (غوغائية تدين) باطلة، قاعد نايم طول النهار، طالع قبل الفجر بساعة يهبهب، وناس مريضة، وناس عاوزة تنام». ووصف الميكروفون بأنه «أكبر نقمة مُنيت بها الأمة فى العصر الحديث»، وأنه «سيتسبَّب فى إصابة الناس بالصمم».. وأكد «الشعراوى» أن بعض البائعين يستخدمون مكبرات الصوت لتشغيل القرآن بمتاجرهم دون أن يركزوا فى التلاوة، متجاهلين الآية القرآنية: «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا»، وهذا دليل على أن ذلك التصرُّف ليس لله فى شىء!.


وكأنه لم يتبقَّ على هذا الكوكب غير التيار السلفى فى مصر، بكل أطيافه، الذى يهب لرفض تخفيض أصوات مكبرات الصوت.. ويحارب بكل ما لديه من أذرع رسمية تنفيذ قرارات وزارة الأوقاف من الأذان الموحد إلى التأكيد على ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد، لتقتصر على مواعيد الأذان وخطبة الجمعة والعيدين، والاكتفاء بمكبر واحد خارجى، مع مراعاة مساحة المصلى وعدد المصلين عند استخدام المكبرات الداخلية.
اللطيف فى تحرك وزارة الأوقاف، وهو مشكور، أن مواطناً ذهب بنفسه إلى المسجد قبيل الفجر بساعة ليسجل «المخالفة» التى تتلخص فى إذاعة القرآن فى الميكروفون قبل الصلاة، وعامل المسجد أخذ يجادله ويتعامل معه باعتباره «عدو الله» الكاره لسماع القرآن.. قمة المهزلة أن تكون السوشيال ميديا وسيلة المواطن لتصحيح خطأ، هناك جهات كبيرة وقوية ولديها قوانين ولوائح تنظم كل شىء يتعلق بإدارة المساجد (!!).


تقول الوزارة فى بيانها إنها (أنهت التعامل مع الواقعة الأخيرة التى شملت خلافاً بين مواطن وعامل مسجد بخصوص مستوى الصوت، مؤكدة على أهمية التعامل الهادئ والنصح الفردى قبل تصعيد الشكوى عبر المسار الإدارى أو منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة). يللا ربنا يسامحه، لا نريد منه جزاء ولا شكوراً.


أقسم أنى أشفق على الدكتور «أسامة الأزهرى»، وزير الأوقاف، من كثرة التسيب والمخالفات فى المساجد والتى تعود إلى مرحلة طويلة، وأتعجّب كيف يجد وقتاً لتسجيل برنامج «دولة التلاوة»: سيادة الوزير، لا تنتظر أن تتغير أخلاق الناس بسماع القرآن وحفظه وتجويده وترتيلة، من باب أولى كان الحفظ نهى كبار النصابين عن سرقة الناس بشركات «توظيف الأموال».. أخلاق الناس وأحوالهم تتغير إلى الأفضل بفهم القرآن والعمل به، بما ورد من أوامر ونواهٍ فى الكتاب الكريم.


وما كتبته ينسحب أيضاً على الكتاتيب.. فتِّش عن ناس يقدمون تفسير القرآن فى بساطة للأطفال وليس عن شيخ (يمدهم على رجولهم) ليحفظوه، لو فهمت الأجيال السابقة الدين بوسطية واعتدال واستنارة لما كان فى مصر إرهاب. ولماذا نذهب بعيداً، لو فهم «عامل المسجد» القرآن الذى يدوِّى فى المنطقة بمكبرات صوت يُشغِّلها بنفسه لرحم الناس.


كان لا بد أن يُعاقَب المخطئ سيادة الوزير، فالدين قائم على ثقافة الثواب والعقاب «الجنة والنار»، وبما أن العامل لم يُعاقَب فثق أنه سيرفع صوت الميكروفون حتى نسمعه فى بيوتنا جميعاً.

 

Rochen Web Hosting