عندما يقع شرلوك هولمز في فخ طفلتين!
لا تندهشوا من العقول التي وقعت في فخ طبيب الطيبات، وصدقت نظرياته، وآمنت بمقولات بعيدة كل البعد عن العلم، وقواعد الطب الحديث، فإغواء الخرافة من الممكن أن يجعل عقولاً جبارة تقتنع باللامنطقي، بل بالمضر والقاتل، مثل إيقاف الإنسولين في مرض السكر، والكورتيزون في أمراض المناعة، فقد وقع من قبل هؤلاء في شرك الخرافات، آرثر كونان دويل، أعظم عقل روائي بوليسي، والذي صاغ وشكل أقوى وأشهر شخصية محقق بوليسي في تاريخ الرواية، وهي شخصية شرلوك هولمز، الذي كان يساعده د. واطسون، والذي كان شخصية واثقة، ومغرورة، ويحل أعقد لغز بوليسي، من عقب سيجارة، أو أثر إطار سيارة، بقبعته وغليونه الشهير، يظل ينقب، ويبحث، حتى يفك خيوط الجريمة المشتبكة، ومن خلال المنطق كان يتحدى أن يعرف نقطة المياه تلك، هل هي من المحيط الأطلنطي، أم شلالات نياجرا؟!
المؤلف الطبيب الروائي الأسكتلندي الفذ، آرثر كونان دويل، ضحكت عليه طفلتان، وصدق حكايتهما الساذجة، عن وجود الجنيات! وظل مقتنعاً حتى مات على هذا الإيمان وتلك القناعة، إلى أن كبرت الطفلتان، واعترفتا بتفاصيل الخدعة، في زمنٍ كانت فيه الصورة لها سطوة ومصداقية لا تناقش، فهي إشارة اليقين وعلامة الحقيقة، تُعامل كدليلٍ قاطع لا يقبل الشك، ظهر وقتها في إنجلترا عام 1917، مجموعة صور لطفلتين تزعمان أنها توثّق وجود «جنيات» تحلّق حولهما في قرية كوتينغلي، لم تكن القصة مجرد حكاية عابرة للأطفال، بل تحولت سريعاً إلى قضية رأي عام، خصوصاً عندما دخل على الخط اسم بحجم Arthur Conan Doyle، صانع أعظم عقل تحليلي في الأدب شرلوك هولمز، المفارقة أن الرجل الذي علّم العالم كيف يشك، ويتوجس، وقع هو نفسه في الفخ، نُشرت الصور في The Strand Magazine، وأثارت ضجة واسعة، استعان دويل بخبراء تصوير أكدوا له أن الصور «لم يتم التلاعب بها»، فاعتبر ذلك دليلاً على صحتها، لكنه لم يتوقف عند هذا الحد، بل كتب سلسلة مقالات، ثم أصدر كتابه الشهير The Coming of the Fairies، مدافعاً عن وجود الجنيات بوصفها حقيقة لا خيالاً.
لكن ما حدث بعد ذلك كان فضحاً لهذا العقل التحليلي الجبار، بعد عقود، اعترفت الطفلتان بأن الجنيات لم تكن سوى رسومات مأخوذة من كتب أطفال، تم قصها وتثبيتها بدبابيس شعر أمام عدسة الكاميرا، بتقنيات وقتها، تظهر تلك الجنيات جزءاً أصيلاً من الصورة، لم تُزوَّر الصورة، بل تم تزوير الواقع نفسه، وتركيبه من جديد، وإعادة ترتيبه، إنها خدعة بسيطة، بمنطق زماننا من الممكن وصفها بالعبيطة، لكنها استغلت نقطة ضعف إنسانية عميقة عند البشر، الرغبة في التصديق، التفكير بالتمني، لم يكن دويل ساذجاً، بل كان أسيراً لسياق نفسي واجتماعي معقد، بعد أهوال الحرب العالمية الأولى العبثية، كان المجتمع الأوروبي يعيش حالة حزن جماعي، يبحث عن عزاء في أي فكرة توحي بأن العالم ليس مادياً بالكامل، وأن هناك عوالم خفية أكثر رحمة من هؤلاء الساسة والحكام الذين بلا قلب، وهنا ازدهرت الروحانيات، ووجد دويل فيها إيماناً شخصياً عميقاً، وطبطبة روحية، لم يرَ في الصور مجرد أدلة، بل رأى فيها ما كان يتمنى أن يكون صحيحاً، رأى فيها أحلامه بهذا العالم الشفاف الروحاني.
وهنا نقول ونربط بين الأحداث، فالعقل لا يعمل في فراغ، أكثر الناس ذكاءً ليسوا بالضرورة أكثرهم مناعة ضد الخداع، بل أحياناً يكونون أكثر قدرة على تبرير ما يريدون تصديقه، مهرة جداً في الضحك على أنفسهم، وما حدث مع دويل هو نموذج مبكر لما نراه اليوم في انتشار الخرافة والعلم الزائف، من علاجات سحرية همايونية وطيباتية بلا دليل، إلى نظريات مؤامرة تُبنى على صور وهمية ومقاطع مجتزأة، إلى يقين زائف يستند إلى خبير مُفتٍ، أو تجربة شخصية عابرة ثبتناها كقاعدة عامة، أو فيها جزء كبير من الإيحاء، أو للأسف الكذب المتعمد أو اللاواعي.
البداية دائماً رغبة حارقة ومؤرقة، ثم البحث لها عن دليل ملفق، ثم تسقط لدينا فضيلة الشك بسهولة الشهيق والزفير، قصة جنيات كوتينغلي ليست حكاية مسلية عن طفلتين وخدعة ومؤلف كبير، بل عن هشاشة العقل حين يختلط العلم بالأمنية، وهي ناقوس خطر، ومطرقة ثقيلة على رؤوسنا، تذكرنا بأن الحقيقة لا تُبنى على ما يريحنا، بل على ما يصمد أمام الشك، وربما لو كان شرلوك هولمز حقيقياً وحياً، لابتسم بسخرية وهو يرى من خلقه من العدم، يقع في خطأ، دائماً ما كان يحذّر منه، كان هولمز سيهمس في أذنه، مستنداً على كتف واطسون، قائلاً: «الخطر ليس في أن نخطئ، بل في أن نحب الخطأ لأنه يرضينا».



