الطب بمنطق «البزنس»
الطب واحدة من أشرف المهن التي يمكن أن يمتهنها إنسان، فهل هناك عمل أعظم من تخفيف الألم عن عباد الله، ومساعدة المريض على الصبر على أوجاعه؟. الطبيب يقوم حين يصف دواء بمساعدة المتألم على الصبر، والصبر قيمة إيمانية كبرى حثّ الله تعالى المرضى عليها، مثلما حث عليها أيضاً من يعاني الفقر أو يواجه عدواً في معركة. يقول تعالى: «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ».
الذاكرة المصرية تحتفظ بأسماء عديدة لأطباء ضربوا أروع الأمثلة في الإنسانية والأداء المهني الرفيع. ما أكثر الحكايات التي تداولها جيل الستينات عن الدكتور أنو المفتى -رحمه الله- الذي كان يرد ثمن الكشف للمريض الذي يشعر أنه فقير، بل ويعطيه ثمن الأدوية أيضاً، ويتابع حالته بمنتهى الإخلاص والأمانة، وبخلاف دوره الكبير في رعاية مرضاه كان «المفتى» واحداً من أنبغ الباحثين في مجال الطب، وله إسهامات عديدة في دراسة مرض البلهارسيا وابتكار علاج له. أنور المفتى كان الطبيب الخاص لرئيس الجمهورية جمال عبدالناصر لكنه لم يكن يتوانى عن تخفيف آلام أبسط البشر في بلاده، إيماناً منه بأن الناس أمام الألم سواء.
أمثلة عديدة لأطباء يوصفون أو يصفون أنفسهم بـ«طبيب الغلابة» ذاع صيتهم واشتهروا بعدم المغالاة في سعر الكشف رغم ارتفاع تكاليف الحياة، فتحملوا عن المريض جانباً من العبء الذي فرضته الظروف الاقتصادية، وواصلوا خدمته بأرخص الأسعار، إيماناً منهم برسالتهم الإنسانية. طبعاً هذه النماذج محدودة وتمثل آحاداً من الأطباء، وإلا لماذا طافت شهرتهم آفاق التواصل الاجتماعي، مثلما حدث مع الدكتور «محمد مشالي» رحمه الله!.
ليس معنى ذلك بالطبع أن يضحي الأطباء بدخلهم خدمة للإنسانية، فكل إنسان يعمل من أجل الحصول على دخل، وليس هناك خلاف على أن واحداً مثل الدكتور أنور المفتى لم يكن يتنازل عن أتعابه أمام كل البشر، بل تنازل عنها أمام مرضى فقراء لا يجدون ما ينفقون، ومن المحتمل أنه كان يحصل على دخل لا بأس به كونه طبيب رئيس الجمهورية، وعدد من كبار المسؤولين بالدولة.
وظني أن أي طبيب سوف يفعل ما كان يفعله «المفتى» أمام أي مريض فقير لا يملك ثمن الكشف أو العلاج.. فالدنيا بخير.
من حق الطبيب أن يحصل على دخل مناسب يساعده على تقديم خدماته للمرضى، بل ومن حقه أيضاً أن يحدد الأجر الذي يرتضيه مقابل الخدمة التي يقدمها، بشرط وحيد، هو أن يتعامل مع المريض على أنه مريض، وليس على أنه «زبون» أو «صيدة» وقعت في يده عليه أن يحلبها إلى آخر قطرة، بحيث لا يكتفي منه بمقابل الكشف، بل يجتهد في تحويله إلى آلة دفع وتحقيق مكاسب. طبعاً ليس كل الأطباء كذلك، لكن هناك من يمارس الطب بمنطق «البزنس».



