رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

إعلان العجز عن الحسم

قسم : مقالات
الجمعة, 24 أبريل 2026 08:11

 

 

فى لحظة بدا فيها أن المنطقة تقترب من التهدئة، جاء إعلان الرئيس الأمريكى ترامب تمديد وقف إطلاق النار ليكشف حقيقة مغايرة تمامًا، الصراع لم يتراجع، بل تغيّر شكله.. ما نشهده الآن ليس سلامًا يتشكل، بل إدارة دقيقة لأزمة مفتوحة تحت سقف التفاوض.

التمديد فى جوهره لا يعكس نجاحًا دبلوماسيًا بقدر ما يعكس عجز جميع الأطراف عن الحسم. الولايات المتحدة لم تحقق اختراقًا كافيًا لفرض شروطها، وإيران لا تملك القدرة على مواجهة مفتوحة، وإسرائيل تدرك أن الحرب الشاملة قد تكون مكلفة بلا ضمانات حاسمة. لذلك، كان القرار هو تمديد اللحظة الرمادية، لا حرب، ولا سلام.

فى المقابل، لم تتصرف إيران كطرف يقبل بالتهدئة، بل كطرف يستخدمها. فالتصعيد فى مضيق هرمز بعد التمديد مباشرة يعكس بوضوح أن طهران تتعامل مع الهدنة كأداة تفاوض، لا كالتزام سياسى. هى لا تغلق المضيق بشكل كامل، ولا تتركه مفتوحًا بالكامل، بل تديره كوسيلة ضغط، ترسل من خلالها رسالة مفادها أن أى اتفاق لا يمكن أن يتجاوزها أو يتجاهل أوراقها.

 

أما واشنطن، فتتحرك بمنطق مختلف. إدارة ترامب لا تريد حربًا طويلة، لكنها فى الوقت نفسه لا تريد اتفاقًا ضعيفًا. لذلك تعتمد على مزيج من الضغط العسكرى المحدود، والحصار الاقتصادى، وفتح قنوات تفاوض مشروطة. التمديد هنا ليس تنازلًا، بل إعطاء فرصة أخيرة لإيران لتقديم صيغة مقبولة قبل العودة إلى خيارات أكثر حدة.

إسرائيل من جانبها تتعامل مع الهدنة كفرصة لإعادة ترتيب الواقع الميدانى، لا كخطوة نحو تسوية. استمرار عملياتها فى لبنان يعكس استراتيجية واضحة، تثبيت وقائع جديدة على الأرض قبل أى اتفاق سياسى، بما يقلص هامش حركة خصومها ويزيد كلفة أى عودة إلى التصعيد.

فى هذا السياق، تبدو الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى فى موقع المتأثر أكثر من كونها فاعلًا رئيسيًا. دول الخليج تراقب بقلق، وتفضل الاستقرار، لكنها تدرك أن مسار الأحداث لا يُصنع فى عواصمها. أوروبا تحاول لعب دور فى تأمين الملاحة، لكنها لا تزال خارج مركز القرار. أما الوسطاء، فيعملون على منع الانهيار الكامل، لا على فرض حل نهائى.

المنطقة دخلت مرحلة يمكن وصفها بـ “التوازن القلق”. كل طرف يملك ما يكفى من القوة لمنع الهزيمة، لكن لا أحد يملك ما يكفى لفرض النصر. فى مثل هذا الوضع، تصبح الهدن مجرد فواصل زمنية، وليست نقاط نهاية.

تمديد وقف إطلاق النار لم يوقف الصراع، بل أعاد تعريفه. لقد انتقل من مواجهة عسكرية مباشرة إلى مواجهة سياسية – اقتصادية – أمنية مركبة، حيث تُستخدم كل أداة متاحة دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل. والسؤال الان هو إلى متى يمكن لهذا التوازن الهش أن يصمد قبل أن يختل؟

 

Rochen Web Hosting