رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

«رادار» يرصدُ جرائمَ بلا وجوه

قسم : مقالات
الخميس, 30 أبريل 2026 08:16

 

 

ثمّة جرائمُ لا تُرى، دون رصاصة أو خنجر، لكنها تتركُ فى الروح صدوعًا لا تبرأ. فى الفضاء الرقمى، تكفى ضغطة رابط لتفتح مجاهيل الفقد: فقد الخصوصية، الطمأنينة، أو المال. من هنا جاءت ندوة توعوية أطلقها فريقُ مشروع التخرج «رادار» بكلية إعلام CIC الكندية، لإضاءة تلك المنطقة الرمادية التى يلتقى فيها الضوءُ بالظل. جاءت الندوة مسايرةً لجهود الدولة لنشر الوعى الرقمى، وحماية المجتمع من مخاطر الجرائم الإلكترونية التى لم تعد على هامش الحياة، بل صارت جزءًا من تفاصيلها اليومية. ينطلق المشروع من فكرة أن حماية الأمن المعلوماتى تبدأ من توعية الأجيال الأصغر: Gen Z وGen Alpha، الذين يشكلون قلب العالم الرقمى، الأكثر عرضة للمخاطر.

شهدت الندوة مشاركة لافتة من المتخصصين والطلاب، فى مشهد يؤكد أن مواجهة الجريمة مسؤولية مشتركة. قدّم اللواء «حامد فايد»، خبير جرائم تقنية المعلومات، قراءة عملية لصور الاختراق الإلكترونى والاحتيال الرقمى، مشيرًا إلى أن الحماية تبدأ من تفاصيل صغيرة قد يستهين بها المستخدم. فيما أضاء الدكتور «إبراهيم أحمد»، محلل السلوك الجنائى، الجانبَ النفسى للمجرم والضحية، متوقفًا عند آثار الابتزاز والتنمر الإلكترونى، التى قد تمتد إلى ما هو أبعد من الشاشة.

وكان الصوتُ الدينى حاضرًا عبر الأستاذ «حسين القاضى»، مدير عام مراكز الثقافة الإسلامية وعضو المكتب الفنى لوزير الأوقاف، والقمّص «أشعياء لمعى»، ليؤكدا أن التكنولوجيا لابد أن تظل محكومة بالقيم الإنسانية العليا والأخلاق الرفيعة التى تدعو إليها الأديان مثل: احترام الخصوصية، ورفض الإيذاء، وعدم استباحة الآخر. ذاك أن الوعى الأخلاقى، قبل أى إجراء تقنى، يظل خطَّ الدفاع الأول. وعلى المستوى التطبيقى، قدّم الدكتور «محمد منصور»، مستشار الأمن السيبرانى، نصائح مهمة لحماية الحسابات والبيانات الشخصية، واضعًا الحضور أمام مسؤولياتهم الفردية فى هذا الفضاء المفتوح. ثم جاءت مداخلتى لتطرح سؤالا جوهريًّا: ما دور الإعلام فى مواجهة تلك الجرائم؟ هذا السؤال لا يتعلق بوظيفة الإعلام وحسب، بل يمسُّ طبيعته. فالإعلام لم يعد كيانًا يقف خارج الحدث ليرويه، بل صار جزءًا من بنيته، يؤثر فيه ويتأثر به.

الإعلام، فى أبسط صوره، هو أداة توعية. لكنه لا يكتفى بنصائح عابرة من قبيل «لا تضغط على رابط مجهول»، بل يسهم فى بناء ثقافة رقمية متكاملة، تجعل المستخدم واعيًا بالعالم المعلوماتى الذى يحيط به، ومدركًا أن كل نقرة قد تكون قرارًا، ومصيرًا. بعدئذ يأتى دوره فى كشف الجرائم وتعريتها؛ حيث لا يكتفى بنقل الخبر، بل يحلله ويشرّحه: كيف حدثت الجريمة؟ وأين مكامن الخلل؟ وكيف أسهمت الضحيةُ فيها دون قصد؟ فالضوء الذى يُسلَّط على مناطق الظل لا يكتفى بالكشف، بل يردع.

كما أن الإعلام بوسعه أن يخلق رأيًا عامًا ضاغطًا يدفع نحو تطوير التشريعات، أو تغليظ العقوبات، أو إعادة النظر فى آليات حماية البيانات. وبرغم كل ما سبق من إيجابيات، فالإعلام ليس بريئًا دائمًا؛ إذ يمكن أن يتحول إلى جزء من المشكلة، حين ينخرط فى نشر الشائعات، أو تضخيم الجرائم بطريقة قد تروّج لها. لهذا، كان عليَّ التأكيدُ على فلسفة «التربية الإعلامية» بوصفها حجر الزاوية: أن يتحول المتلقى من مستهلكٍ سلبى إلى قارئ نقدى، يسألُ ويفكك ويُشكّك، بدل أن يمرر كل ما يصله دون تدقيق.

الجميلُ فى الندوة لم يكن فقط ثراء الطروحات، بل ذلك التفاعل الحيّ بين المنصّة والطلاب، الذين طرحوا أسئلة ذكية كشفت عن وعى ورغبة فى الفهم، لا الاكتفاء بالتلقى. تلك اللحظات، فى تقديرى، هى الجوهرُ الحقيقى لأى فعالية حيّة: حين يتحول الحوار إلى عصف ذهنى ومساحة للتفكير التفاعلى.

أعربُ مجددًا عن سعادتى بالمشاركة فى هذه الندوة، وامتنانى التكريم المدهش الذى حظيتُ به. ولا يفوتنى توجيه الشكر لفريق «رادار» بقيادة د. «شيرويت سامح»، تحت رعاية قيادات الكلية: أ.د. «ماجى الحلواني»، أ.د. «نرمين الأزرق»، أ.د. «آمال الغزاوى»، د. «ياسمين على»، د. «نِعَم محيى»، لما بذلنه من جهد فى إخراج هذه الفعالية على هذا المستوى الرفيع.

فى النهاية، تبقى الحقيقةُ الأهم: أن الجرائم الإلكترونية لن تختفي؛ فقد أصبحت جزءًا من طبيعة العصر السيبرانى الذى نحياه، لكنها قد تتراجع أو تُحاصرَ بتكريس الوعى. لذا فالمعركة ليست وحسب ضد المجرم، بل ضد الجهل بالمعلومة. علينا الاعترافُ بأننا نحيا فى عالم تُرتكب فيه الجرائم بضغطة زرّ.

وأداةُ الجريمة من الصعب تحريزها، فهى ليست رصاصةً ولا خنجرًا، كما أن المجرم متخفٍّ وراء شاشة. لهذا فهى جريمة بلا وجه. وهنا، يكون الدرعُ الواقى الأهم هو «العقل الواعى» الذى يعرف كيف يقرأ ويفكّر، قبل أن يضغط.

 

Rochen Web Hosting