رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

ليس بدرا واحدا ما أفتقده

قسم : مقالات
السبت, 30 مايو 2026 19:43

 

 

في الليلة الظلماء يُفتقد البدر، وعندما تضيع البوصلة ويتوه الدليل يصعب الطريق ويطول، أحس الآن بافتقاد الأحباء، وأشعر بأنني أحتاج إلى دفء أصحاب العقل وضمة من رحلوا عن دنيانا وأخذوا قبساً من النور معهم. أفتقد أحمد بهاء الدين الذي كان أول من حذر من الانفتاح السداح مداح، ودعا بقوة وإصرار في عموده الساحر بـ«الأهرام» الذي كان صوت البسطاء ومنبر العقل المصري إلى تجديد الخطاب الديني وتحديث الفقه الإسلامي وتنوير العقل المصري واللحاق بركب الحضارة والحوار بلغة العصر.

أفتقد د. فؤاد زكريا، فيلسوف العقل وموسيقار الفلسفة، بمنطقه الصارم الذي لا يعرف التنازل ولا الحلول الوسط، برؤيته البانورامية الشاملة، وحسه الفني المرهف، وتفنيده المفحم المقنع، كان أول من نبه إلى خطر الدولة الدينية وحلّل خطاب الإسلام السياسي وشرح تياراته بمبضع الفيلسوف الذي يضع علامات الاستفهام ويحفز العقل النقدي على التساؤل وعدم الإذعان.

أفتقد د. فرج فودة، شهيد الرأي والفكر، الذي اغتالته قوى التطرف التي اكتسحت الساحة وركبت في 2011 مراهنة على ضعف ذاكرة المصريين، باشتباكه الجريء مع هذه التيارات على أرض الواقع، ونزاله الفكري مع أقطابهم وهو يوقن بأن نهايته هي الاغتيال والتصفية لأن صاحب الحجة الضعيفة دائماً يحتمى بالإقصاء والتكفير والقتل، لأنه لو كان يمتلك الحجة العقلية ما كان الكلاشينكوف، وما كانت لغة الرصاص والدم.

أفتقد أسامة أنور عكاشة، بفنه الراقي الذي صوّر مصر بجهاز الأشعة المقطعية الدرامي فكشف الأحشاء والأعصاب، بقلمه المشاغب المحارب الذي جلب له الصداع والسباب والتطاول، كان قوياً وحاسماً في رفض كل مظاهر التسلط باسم الدين، والرقابة باسم الحفاظ على سمعة الوطن، كفّروه وحاربوه، ولكنه ظلّ ثابتاً ولم يغادر ساحة الكتابة الصحفية المتمردة، بالرغم من أن الدراما كانت تُتوجه ملكاً في عرين منيع، إلا أنه فضّل أن يحارب بقلمه زلزالاً كان يحس بوقعه المدمر قبل أن ترصده أجهزة ريختر بسنوات، لكنه لم يهرب كفئران السفينة.

أفتقد د. أحمد عبدالله رزة، خطيب شباب السبعينات، جيل الأزمة، من حفر في الصخر منذ أن كان طالباً متفوقاً في كلية السياسة والاقتصاد يحاربه بعض المسئولين السياسيين وقتها ويتوعده البعض بقطع رجله من الكلية إلى أن حصل على الدكتوراه من بلاد الضباب ليعود أستاذاً لخريجي الكلية في المعهد الدبلوماسي!، أفتقد بلاغته وخطابته التي تنفذ إلى العقل والقلب، أفتقد روحه الشابة وفهمه لآليات البحث العلمي في قضايا السياسة والاجتماع من دراسة حركة الطلبة إلى دراسة أطفال المدابغ!

أفتقد وحيد حامد بذكائه الفني وجرأته في النقد الاجتماعي والسياسي ووضوحه في العداء للفكر السلفي الإقصائي، وحرفيته العالية، ولؤمه الفلاحي في تمرير أفكاره الجريئة من الرقابة، أفتقد إنسانيته وترفعه واحترامه لفنه. أفتقد د. أحمد مستجير، بإيمانه بأن العلم هو طوق النجاة الوحيد، بروح الشاعر الذي تختلط دموعه حين يرى هزال طفل جائع بنظرة الإصرار على البحث عن حل له عبر الهندسة الوراثية، أفتقد روحه المرحة التي تنزع عن العلم صفة التجهم.

 

Rochen Web Hosting