اللواء الشربيني والذين معه..
بالدمع جودى يا عين، وإن كان فى أرضك مات شهيد.. فيه ألف غيره بيتولد، المحروسة بعيون الشهداء تبكيهم بدموع القلب، والقلب مفطور على خيرة الرجال. فى المحروسة، بإذن ربها، تودع شهداءها صابرةً، مستبصرةً فجرًا جديدا تلوح فيه تباشير الفرح من وراء الغيم..
فى المحروسة، الشهادة تجمع القائد مع رجاله، يستشهدون معا، القائد يتقدم ويتبعه الجنود، جندٌ مجندة فى حب وطن يستحق الخلود. يقول القاضى النضر بن شميل من البصرة: «الشهيد شهيد، لأنه حى، فكأن أرواحهم شاهدة، أى حاضرة»، وأرواحهم حاضرة لا تغيب، أحياء عند ربهم يرزقون. والقول القرآنى الكريم يرسمهم شهداء، وإن ماتت أجسادهم فى الدنيا، فإن أرواحهم حية حياة برزخية خاصة، حيث يتنعمون، ويُرزقون من ثمار الجنة ونعيمها عند الله عز وجل، فرحين بما آتاهم من فضله.
أتحدث بقلب حزين عن شهداء الحماية المدنية، عن شهداء وزارة الداخلية الباسلة، ومعنى البسالة معجميا: الشجاعة، والقوة، والجرأة، وإقدام الفرد وثبات قلبه عند مواجهة المخاطر والصعاب، والوصف يليق بإقدامهم، وثبات قلوبهم، وشجاعتهم وجرأتهم.
اللواء محمد الشربينى، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، والنقيب عبد الرحمن العدوى، بالإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، وأمين الشرطة حمد عبد الجواد، بالإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، الذين استُشهدوا أثناء أداء الواجب، نفروا جميعا على قلب رجل واحد، إلى إنقاذ الأرواح جراء حريق شبَّ إذ فجأة فى مخزن أخشاب بمنشية ناصر، فانهار عليهم عقار متهالك. استشهدوا وهم يلبون نداء الواجب، ونداء الواجب التزام أخلاقى ووطنى ومهنى، بذلوا أرواحهم فداءً للوطن، فوق كل الحسابات الدنيوية. يقال فيهم ما قاله طيب الذكر «أمين عزت الهجين» بصوت موسيقار الأجيال: «حب الوطن فرض عليَّ.. أفديه بروحى وعينيا..».
يتساءل الروائى البريطانى «جراهام جرين»: هل توقف العالم عن صنع الأبطال؟ والرد من المحروسة، صانعة الأبطال. مصر ولود، تلد أبطالا يسدون عين الشمس. كل فجر ترسم المحروسة أبطالها، شهداء، وشهداء الحماية المدنية نموذج ومثال.. مصر تستمد بقاءها من هؤلاء الأبطال، كل بطل منهم يمد مصر بإكسير الحياة، ويمنحها الخلود.
أتوقف مليّا أمام تضحية قائد عظيم، اللواء محمد الشربينى، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، ضحى بروحه قبل رجاله، وارتقى شهيدا ومن حوله رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن أداء الواجب. بطل عظيم تم تكريمه فى الأرض (كرمه الرئيس السيسى قبل شهور) تهيئة لاستشهاده، قبل أن تزفه الملائكة فى السماء، ويا لها من شهادة يتمناها كل الأبطال، وكما دعا الفاروق عمر بن الخطاب، رضى الله عنه: «اللهم ارزقنى شهادةً فى سبيلك».
بالدمع جودى يا عين، من نبكيهم اليوم ونترحم عليهم. صحيح ليسوا من نجوم المجتمع الذين تطاردهم الكاميرات، هم أبطال عظماء، إقدامهم وشجاعتهم مضرب الأمثال، مؤمنون صادقون لا تشغلهم مشاغل الدنيا ومكاسبها عن أداء الفروض جميعا، فروض السماء، وفروض الوطن التى هى من فروض السماء.



