حين تغرق الأمم فى التفاصيل
فى أوقات الأزمات قد يغرق الإنسان والأمم فى التفاصيل، ثم فى تفاصيل التفاصيل. يتركّز الاهتمام على الفوز الهامشى هنا وهناك: قرية استُعيدت، ناقلة مرت، خط أنابيب توقف يوماً ثم عاد. وتغيب الرؤية الكلية الشاملة. بل إن التعامل مع التفاصيل قد يحقق أهدافاً فى معارك جديدة تُغيّر الصورة قصداً وتعمّداً. ليست كل جبهة امتداداً للحرب الأولى. بعضها يُفتتح كى لا تُرى الحرب الأولى أصلاً. هذا هو حال العالم اليوم.
حرب أمريكا وإيران بدأت برغبة كسر إرادة إيران واذنابها عن احتمال أذية إسرائيل وإسقاط النظام الإيرانى؟ ثم انزلق السؤال—بتخطيط أو بالضرورة—إلى مضيق هرمز، ثم إلى ساحل اليمن، ثم إلى خط النفط السعودى العابر للجزيرة، ثم إلى أسعار البنزين فى ولاية أمريكية تنتخب بعد أشهر. كل انتقال يبدو منطقياً فى لحظته. ومجموع الانتقالات يُخرج الصراع من دائرة الحسم إلى دائرة الاستنزاف المُدار.
من ينظر من أعلى لا يرى ثلاثة أخبار منفصلة بل يرى هندسةً لتفتيت الانتباه.. القوة فى القرن الحادى والعشرين لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ وحدها، ولا بارتفاع الناتج، ولا بخطاب النصر فى نشرة المساء. تُقاس بقدرة نظام على أن يظل هو نفسه بعد أن تتغيّر الخريطة من تحته. إيران خسرت الكثير فى الاقتصاد والعملة ودم أبنائها. لكنها تحتفظ بميزة قاسية: سلطتها لا تحتاج رضا الشارع الإيرانى فى الأجل القصير، ورغم اختراق مخابرات اسرائيل وأمريكا للنظام الإيرانى مخابراتياً فإنه لم يسقط.
أمريكا أقوى بما لا يُقاس، لكنها تدخل الشتاء ومعها ناخب أمريكى يحاسب على السعر لا على السرد. والخليج بنى مشروعه النهضوى على استقرار تصدير الطاقة وهدوء الممرات؛ فإذا اهتز الممر اهتز المشروع كله. هنا ينكشف المعنى الأعمق لما يسمّيه بعضهم «معركة السرد». السرد ليس دعاية فوق الحقيقة. السرد هو الإطار الذى تُرتَّب فيه الحقائق حتى تبدو وكأنها حرباً أخرى. من يفرض الإطار يفرض معيار الربح والخسارة. إن أقنعت الدعاية العالم أن المعركة هى «من يفتح هرمز» فقد ربح الحرب، وإن مرّ ثلث الناقلات فقد حدث الانتصار وقد كان الممر مفتوحا قبل الحرب. وإن أقنعت الادارة الناخب الأمريكى أن المعركة هى معركته وإن التفاصيل اليومية لفوز هنا وفوز هناك فقد تكسب انتخابات الشيوخ وقد يستمر نيتنياهو فى الحكم رغم جرائمه فى الداخل والخارج . لقد أصبحت التفاصيل تُختار لأنها تُبدّل المعيار.
الحوثيون فى هذا المشهد ليسوا حاشية. هم أداة تحويل الإطار. عشرون عاماً من القتال صنعت تنظيماً يعرف الأرض ويعرف صبر الخصوم الأغنى. مقارنتهم بطالبان ليست إهانة لأحد الطرفين؛ هى تذكير بأن الحروب التى لا تُحسم بالاحتلال تُحسم باليأس أو بالتفاوض. ترامب الذى فاوض طالبان استنتج استحالة الحسم، ويقف اليوم أمام سؤال أخطر: هل يفتح جبهة رابعة فى اليمن وهو لم يُغلق الأولى فى إيران؟
رفضه الضرب الفوري—إن ثبت—ليس ضعفاً عسكرياً بالضرورة. هو إدراك أن كل صاروخ جديد يلد خبراً جديداً، وكل خبر جديد يلد جبهة فى وعى الشعوب لا على الخريطة.
والخطر على السعودية مزدوج. الأول مادى: طاقة الشتاء الغربى تمرّ من أرضها ومياهها. والثانى سياسي–حضارى لأن مشروع التحوّل الكبير لا يعيش طويلاً فوق بنية تحتية هشّة وحرب وكلاء تتسلل من العراق واليمن فى وقت واحد.
من أراد للخليج أن يبقى ممراً لا ساحة، عليه أن يفهم أن الحياد اللفظى لا يحمى أنبوب بترول، وأن الحماية العسكرية الأمريكية ليست شيكاً مفتوحاً بلا تكلفة انتخابية فى واشنطن.
أما أوروبا فتدخل الشتاء كعادتها: مستهلكة للطاقة، منقسمة فى الرواية، تبحث عن أخلاقيات فى حرب لم تصنعها وعن وقود فى حرب قد تخسرها. التفاصيل هناك ستكون عن مخزون الغاز ونسبة التضخم.
والرؤية الكلية غائبة: أن أمن الطاقة لم يعد ملفاً فنياً، بل امتداداً لصراع الإرادات من طهران إلى باب المندب.
ما العمل إذاً إن لم نرد أن نبقى أسرى الخبر اليومى؟
أن نعيد طرح الأسئلة الكبيرة قبل أن تبتلعها المعارك الصغيرة.



