رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد

يا وابور قول لى رايح على فين؟

قسم : مقالات
السبت, 01 مايو 2021 21:48

عرفت السفر بالقطار أيام الرحلات المدرسية. كنا نركب الدرجة الثالثة وننام على مقاعد القطار المتهالكة والشبابيك مكسورة الزجاج والمراحيض خارج الخدمة! حاولت مرة أن أشبع فضولى وأتفرج على عربة النوم فى القطار، فنهرنى مساعد سائق القطار، الصورة الذهنية الباقية فى رأسى أنى كنت أشتبك بالكلام مع أصدقاء الرحلة لنقطع الملل من طول الرحلة والصوت الرتيب المسبب للصداع، ولكن فى تلك الأيام كان الصبا يغفر متاعب الحياة.

■ لم أسمع عن حادثة قطار، ولكنى سمعت عن مزلقانات تسبب كوارث، لأنها يدوية وليست مميكنة، وعامل المزلقان يصيبه النعاس أثناء مرور القطار. وتمر الأيام وحين صارت الصحافة مهنتى، صارت اهتمامات الناس هى خبرى اليومى، وسمعت عن «حوادث القطارات»، وكان العلاج هو العقاب بخصم فى الراتب وبدلًا من الذهاب فى عمق المشكلة، قمنا بتستيف الأوراق، وهو مرض مزمن فى الإدارة المصرية وعاش معنا زمنًا طويلًا!.

 

 

■ حين كنت أمسك بميكروفون «حديث المدينة»، كنت أحقق وأسأل. فهمت من عامل المزلقان أن المشكلة مادية، وحين حاورت سائق قطار فهمت أن القضية فلوس وحوافز تتأخر فى الصرف! وربما كانت قضية السكك الحديدية مؤجلة أعوامًا بعد أعوام وفترة بعد فترة، ثم طواها النسيان حتى اهتزت مصر بفعل ثلاث كوارث قطارات، منها قطار انقلبت عرباته!

 

 

■ وزارة النقل فى مصر تولاها وزراء أفاضل، منهم أستاذ الجامعة ومنهم المتخصص ولكن هذا لم يمنع فى زمن الوزير سليمان متولى أن يسقط من القطار مرحاضه!.

 

 

وظنى أن اختيار الرئيس السيسى لكامل الوزير كان عين الصواب، ولكن حوادث حزينة حدثت أثناء فترة «رجل عسكرى» فى المنصب. وكان هذا تحديًا سافرًا للإدارة المصرية وخطة التطوير التى يحلم بها الوزير، وكشفت الأمور أن أحداثًا تتم فى الظلام ويبدو أن جائحة الكراهية لمصر تحركت لتزرع الحزن فى الصدور. أتذكر أنى فى بداية عملى الصحفى كلفنى رئيس تحرير صباح الخير بعمل حوار مع مدير جهاز النقل فى السكة الحديد اللواء النبوى إسماعيل، الذى صار وزيرًا للداخلية، واتصلت بالرجل فحدد لى موعدًا فوق كوبرى شبرا! وقد كنت أظن أن هذا الجهاز يمكن أن يصنع الانضباط ويراقب السكة ويكشف المخبوء الذى أعتقد أنه «عبث مأجور»، وربما اختفى هؤلاء فى ثنايا ومفاصل الدولة ولكن عين الدولة، جيشها وشرطتها، ستضىء هذا الظلام؛ مصر لا تنكسر.

 

 

■ وبدأت أفكر بذهن مهموم بقضية. اكتشفت أن- دستوريًّا- شرطة السكة الحديد مسؤولة عن تأمين محطات القطارات، وهى تخضع إداريًّا لوزارة النقل، واكتشفت أن أحد رجال الشرطة يرافق رحلة القطار، فالشغب فى القطارات وارد، ولكن ماذا يفعل هذا الضابط فى «العيال» المأجورين الذين يرمون قطارات السياح بالطوب والزلط؟!.

 

 

■ واكتشفت أنه من الممكن لخفافيش الظلام أن تستخدم الشنيور فى فك مسامير قضبان السكة الحديد وهو ما يؤدى لكوارث، يتم هذا فى جنح الظلام دون رقيب. ومن المهم بناء أسوار لمجرى القطارات لا تسمح بالدخول إلى فلنكات القطارت، هذا السور لا يمكن اختراقه إلا بهدمه وهذا مستحيل!.

 

 

■ ومن المهم وجود كاميرات على طول طرق السكة الحديد، هذه الكاميرات تكشف كل الخبايا، والعالم كله يلجأ للكاميرات لأنها أصدق دليل للحقيقة! والعالم المتحضر ألغى فكرة القضبان فى السكة الحديد باستثناء دول «العالم الثالث»، الآن قطارات العالم تجرى بالكهرباء، حيث لا يهتز كوب الشاى وأنت تضعه أمامك فى عربة القطار، وكل المزلقانات التى يمر عليها القطار تعمل بالكهرباء ولا يوجد العنصر البشرى!.

 

 

■ إن انقلاب عربات القطار لا يحدث إلا إذا استخدم الشنيور فى فك ٤ مسامير أو أكثر.. وإذا كان القطار الأول بطل الحادثة، خطأ سائق، وحادثة القطار الثانى خطأ مزلقان، فإن الكارثة الأخيرة بفعل فاعل.. إن قضبان قطار أوروبا «عاشق ومعشوق» وهذا هو التطور الطبيعى للقطارات ذلك أنه فى حادث قطار سوهاج «القضبان انفصلت والقطر اتمرجح». إن الكاميرات بطول الطريق تضع الحقيقة فى نصابها. لابد أن يتغير «السيستم» نفسه ليقضى على كوارث القطارات.. إن أعداءنا شياطين ويتقنون صناعة الحزن، فهل «سلو بلدنا» حوادث قطارات؟.

 

 

■ إن قطار أوروبا أحد وجوه جودة الحياة هناك، والقطار المصرى صارت سمعته سيئة بفعل الكوارث ذات الضحايا وإن كانت الدولة تبذل جهودًا مهولة يقودها رجل منضبط من أجل جودة الحياة. إن للسكة الحديد فى مصر تاريخًا موغلًا فى القدم وشرائح كثيرة فى المجتمع تركب القطارات.

 

 

■ لقد كنت أسمع أغنية عبدالوهاب باستمتاع «يا وابور قول لى رايح على فين». صرت أسمعها الآن بحذر وقلبى يدق! فأنا لا أعرف «رايح على فين؟»، وضابط الكل يستر مصر.