رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد

من توابع الفوضى! (8)

قسم : مقالات
الإثنين, 03 مايو 2021 13:32

والمادة 25 من الإعلان الدستورى الصادر 30 مارس 2011، والمعمول به حتى مجىء حكومة الإخوان، ولم يعرض له قرار الرئيس الإخوانى فى 12 أغسطس 2012 بأى سوء، تنص على أن: «رئيس الدولة هو رئيس الجمهورية، ويسهر على تأكيد سيادة الشعب وعلى احترام الدستور وسيادة القانون وحماية الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية وذلك على الوجه المبين بهذا الإعلان والقانون، ويباشر فور توليه مهام منصبه الاختصاصات المنصوص عليها بالمادة (56) من هذا الإعلان عدا المبين فى البندين 1 و2 منها».

ويبدو واضحاً أنه فات فيما فات لدى إصدار قرار رئيس الجمهورية (الإخوانى) 12 أغسطس 2012، وما تضمنه من إعلان دستورى من الرئيس إلى الرئيس، فات الالتفات إلى أن هذا الإعلان الفردى الذى تعوزه المرجعية الدستورية والقانونية يتصادم ويتعارض مع صريح نص المادة 25 من الإعلان الدستورى الأصيل الصادر 30 مارس 2011، التى استثنت صراحة سلطة التشريع والموازنة العامة، والمبينة فى البندين 1، 2 واللتين استثناهما النص صراحة من السلطات التى يباشرها الرئيس إلى أن يتم استكمال البناء الدستورى للدولة، وفات فيما فات أن رئيس الجمهورية لا يملك وليس من سلطته تعديل الإعلان الدستورى 30 مارس 2011، وأن أى تعرض منه بالتعديل لأى مادة من مواد هذا الإعلان الدستورى يقع معدوماً لا أثر له فى القانون! فأمامنا فى هذه الفوضى ضاربة الأطناب، تعارض صارخ وتناقض زاعق بين الإعلان الدستورى الفردى من الرئيس إلى الرئيس الصادر 12 أغسطس 2012 بلا مرجعية دستورية أو قانونية، وبين صريح نص المادة 25 من الإعلان الدستورى الأصلى الصادر 30 مارس 2011، والذى كان لا يزال معمولاً به ويتصدر ديباجة كافة القرارات الجمهورية التى يصدرها الرئيس الإخوانى.

فالإعلان الدستورى الفردى 12 أغسطس، يعطى الرئيس سلطة التشريع التى حظر الإعلان الدستورى الأصلى الصادر 30 مارس 2011 إعطاءها إليه هى والموازنة العامة، وهذا التناقض لا يصطدم فقط بما أقسم الرئيس على احترامه، وإنما يتعارض ويصطدم بإعلان دستورى أصلى قائم وسار وله بلا مراء مرجعية غير متوافرة للإعلان الدستورى الفردى، الأمر الذى يعنى طبقاً لقواعد التفسير أن إعلان 12 أغسطس 2012 قد ورد باطلاً على غير محل، للحظر القائم فى إعلان 30 مارس 2011 الأصيل والسارى والمعمول به للآن والذى لا يملك الرئيس تعديله!

رب قائل يقول وقد ضربت الفوضى فى كل شىء، ما الذى يمنع الرئيس من أن يلغى إعلان 30 مارس 2011 بدوره، والجواب أن هذا الإلغاء معناه ضرب كل قواعد المشروعية التى تسير عليها البلاد منذ 30 مارس 2011، بما فى ذلك الانتخابات الرئاسية ذاتها، فقد جرى ذلك كله وفق هذا الإعلان الدستورى الذى تضمن فيما تضمنه التعديلات الدستورية التى جرى الاستفتاء عليها فى 19 مارس 2011، وأقرها الشعب فى نتيجة الاستفتاء التى أعلنت 23 مارس، ومثلت مع تغيير أرقام المواد فقط عصب الإعلان الدستورى الأساسى الصادر 30 مارس، الأمر الذى لا يستقيم معه إلغاء هذا الإعلان الدستورى أو تعديل أى مادة من مواده الآن، لما لذلك من توابع خطيرة تؤدى إلى انهيار تام لن ينجو منه شىء!!!

هذا التصادم والتعارض القائم، له بالتأكيد توابع، إنْ تراخى ظهورها اليوم فسوف تظهر باكراً، وسوف يؤدى ذلك إلى توابع وآثار تهدد كل ما يَجْرى ويُجْرى، وتسدل أستاراً كثيفة لا يُعرف متى تنقشع، على ثورة عقدنا الآمال عليها، فأخذتها الفوضى إلى دروب ومسالك ما أنزل الله بها من سلطان. فهل من عقل يستنقذ مصر من وهدة هذه المخاوف المتبدية فى الأفق، والتى لا يشيح عن رؤيتها بصير؟!!!

ومن توابع الفوضى، أنه بدا أن الانتفاضة أو الثورة هى مزيد من الإغراق فى الفوضى، هى بداهة أبعد جداً من أن تكون فوضى خلاقة، فهل كان ما عقدنا عليه الآمال الكبار مجرد فرصة لسيطرة وهيمنة فصيل واستحواذه على كامل المشهد، حتى إذا ما دانت له الأمور سارع بنقض ما قامت الثورة فى أيامها الثمانية عشر الأولى للقضاء عليه؟!!! وهل كان من مقتضيات هذه الثورة أن تُؤَخْوَنَ الدولة، ومناهج التعليم والتربية الوطنية، وتضرب الصحافة القومية، ونستبدل عنف البلطجة بعنف الإدارة، وننزل بسن الزواج إلى أعمار الطفولة لنقضى على براءتها ونحول أطفالنا إلى أشباه سبايا فى سوق النخاسة، لإشباع غرائز من هرموا وشاخوا ولا يستحون من أن يبنوا بطفلات فى سن أحفادهم؟!!!

ومن العوارض التى طفت على السطح، شخصنة الدولة، أو شخصنة الأمور فى الدولة.. رأينا شيئاً من ذلك فى صيغة اليمين المعدلة التى أدى بها القَسَمْ رئيس المخابرات العامة وهيئة الأمن القومى، فالولاء يجب أن يكون للدولة ونظامها ودستورها وقانونها لا للأشخاص، فمصر هى الباقية، والأشخاص أياً كانوا إلى رحيل وزوال. وافتراض العصمة لغير الأنبياء غير جائز، ولا محل له، ونقل ولاء القَسَمْ إلى الشخص بدلاً من الدولة، يحمل نذراً يمكن أن تكون وخيمة إذا ما فرط من الوالى ما يدخله فى دوائر الخطأ والمساءلة والحساب، وهو ما تجيزه وتنظمه دساتير العالم، ومنها فيما كان دستور 1971، فقد كان يبيح محاكمة رئيس الجمهورية، سواء عن الجرائم الجنائية، أم عن ما قد يُعَد خيانة عظمى!

ماذا يفعل من أقسم بالولاء للشخص لا للدولة، إذا ما خرج الحاكم عن الدستور والشرعية، أو فرط منه ما يستوجب مساءلته.. هل يساير فى الخطأ التزاماً بالقسم، أم يبقى على ولائه للوطن الذى هو بكل المقاييس فوق الجميع؟!!!

شخصنة القَسَمْ فرع على شخصنة الدولة، وهذا باب كبير للفوضى واضطراب الأمور وانبهام المقاييس.

تعرف النظم القانونية نوعين من العفو، العفو عن العقوبة ويكون بقرار من رئيس الدولة، والعفو الشامل ولا يكون إلاّ بقانون صادر عن السلطة التشريعية، وهو لا يقف عند العفو عن العقوبة، وإنما يمتد إلى آثارها، ويمحو الإدانة ذاتها. والعفو بنوعيه، يكون فى الأحوال العادية تداركاً لعدل فات، أو ظلم وقع، أو دواع إنسانية أو اجتماعية أو قانونية طرأت. وفحوى ذلك أن فكرة «العدالة» هى الحاضرة الدافعة للعفو عن العقوبة أو العفو الشامل فى الأحوال والظروف العادية. على أن ممارسة هذه السلطة، وهى بغض النظر عن الالتباسات التى نجمت عن الفوضى ومست القواعد المفترض أن ترعاها المبادئ الدستورية ويكفلها القانون يجب أن تكون بصيرة بما تفعل، مميزة بين العفو الذى يرعى عدالة فاتت، وله ضوابطه لأنه مراجعة قد لا تكون حميدة أو صائبة لأحكام قضائية لها حجيتها واحترامها، وبين العفو الذى ينصف النظام الجديد من سياسات النظام الآفل، وهو إنصاف قد لا ينبع عن فكرة العدالة، وإنما حافزه السياسة. ولذلك قصره العارفون على العقوبات أو الأحكام الصادرة فى جرائم سياسية.