رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد

وقفة مع بيع أصول الدولة

قسم : مقالات
الخميس, 22 سبتمبر 2022 16:43

منذ شهور قليلة، حينما قامت بعض الصناديق السيادية العربية بشراء أسهم شركات مصرية متميزة من خلال البورصة، سُئلت عن رأيى فى الأمر، فكان جوابى أنه لا يوجد ما يدعو للانزعاج أو الاعتراض، لأن هذا استثمار أجنبى وافد للبلد ويقوم بالشراء بالأسعار الجارية المعلنة فى البورصة، فالطبيعى أن نرحب به.
موقفى بشأن الترحيب بالاستثمار الوطنى والأجنبى، سواء كان لإنشاء مشروعات جديدة أم للاستحواذ على شركات قائمة، لم يتغير.. بل أرى أن المخرج الوحيد من أزمتنا الراهنة هو تشجيع الاستثمار الخاص، بما يؤدى لزيادة «الإنتاج والتشغيل والتصدير»، الثلاثى الذى بدونه لن تكون هناك تنمية اقتصادية.

ما يدفعنى لإبداء القلق اليوم ليس مبدأ بيع الأصول، بل توقيته وملابساته، خاصة أن الظروف الاقتصادية الخانقة التى نمر بها حاليًا قد تدفعنا للبيع بسرعة وبأسعار منخفضة.. فما العمل؟!

دعونا أولًا نفرّق بين ما يباع من القطاع الخاص وما يباع من الدولة، لأن الحديث الدارج عن إقبال الصناديق العربية على شراء الأسهم يخلط بين الأمرين. والقطاع الخاص حر فيما يملكه وفى قرار وتوقيت التصرف، ولا يجوز لأحد أن يتدخل فى ذلك ولو كان البيع بثمن بخس.. وبالتالى فهذا أمر يخرج من إطار النقاش العام.

دعونا أيضا نتفق على أن بيع الأسهم المملوكة للدولة من خلال البورصة يكون بالسعر العادل، نظرا لأنه سعر التداول الذى يعبر عن الطلب الحقيقى، وعن تقييم السوق للشركة محل التعامل.. ولكن إن كان بيع الأسهم المتداولة فى البورصة ينفى شبهة التلاعب فى التقييم، فإن توقيت البيع وآلياته يجب أن يخضعا لرقابة الأجهزة المعنية بالدولة والبرلمان والرأى العام، خاصة أن البيع بأسعار متدنية فى ظل أزمة اقتصادية حادة قد يُضيّع على البلد والخزانة العامة فرص البيع مستقبلا وبقيم أفضل، لو أمكن انتظار انقضاء ذروة الأزمة والعودة لظروف طبيعية.

أما بالنسبة للأصول العقارية، فإن الموضوع أكثر تعقيدا. فهذه الأصول تحتاج تقييما سليما ليس متوافرا من خلال أسعار معلنة وحقيقية، كما هو الحال مع الأسهم المقيدة فى البورصة. والتقييم - كما علمونا - عِلم وفن، وبالتالى يخضع للتقدير. ومن حق المجتمع أن يعلم كيف يتم تقييم الأصول العقارية المعروضة للبيع ويطمئن إلى حصول الخزانة العامة على مقابلها العادل.

وفى ذات موضوع بيع الأصول العقارية، تجدر الإشارة إلى أن الدستور المصرى والقانون يعترفان بنزع الملكية الخاصة لتنفيذ مشروعات ذات نفع عام وبمقابل عادل. أما نزع الملكية الخاصة من أجل تجهيزها وتسليمها أو بيعها لأغراض الاستثمار الخاص، فيتعارض مع الدستور والقانون.

يستوقفنى أيضا أنه فى الماضى كان يجرى العمل على بيع الأصول العامة من خلال برنامج منظم ومعلن، سواء كان اسمه برنامج خصخصة أو توسيع قاعدة ملكية أو اسما آخر.. وهذا يحقق قدرا من الشفافية بشأن الأصول الجارى طرحها للبيع، والجهة المسؤولة عن البرنامج، والقانون الخاضعة له عمليات البيع، وغير ذلك مما كان يؤدى لمناقشات محتدمة بين الحكومة والمعارضة، ولكن كان يمنح إطارا من الشفافية النسبية.. ولكن غير واضح حاليا إن كانت البيوع الجارية ضمن برنامج واحد، أم تحت مظلة وثيقة ملكية الدولة، أم مسارات متعددة من وزارات وبنوك مختلفة.

وتقديرى أن هناك حاجة لتضمين كل هذه العناصر فى برنامج واحد واضح المعالم يمكن للبرلمان والرأى العام متابعته ورقابة تنفيذه.

وأخيرًا مع فرصة اقتناء أسهم وأصول عامة بأسعار منخفضة بسبب الأزمة الاقتصادية، فإن السؤال الذى يطرح نفسه هو: لماذا لا توجد أوعية تستقبل مدخرات القطاع العائلى المصرى وتتيح له المساهمة فى شراء تلك الأصول، أسوة بالصناديق العربية والمستثمرين الأجانب؟.. وللأسف إن الإجابة ببساطة أننا ندفع ثمن إهمال، بل محاربة نشاط إنشاء وإدارة صناديق الاستثمار المحلية التى كانت يوما ما ذات مستقبل واعد فى جذب مدخرات القطاع العائلى، ولكن انحسر دورها لأسباب عديدة يطول شرحها الآن. والمحصلة أن القطاع العائلى المصرى غير مشارك بالقدر الكافى فى شراء أسهم وأصول متميزة، رغم انخفاض أسعارها، فى الوقت الذى يُقبل عليها المستثمرون الأجانب. وأظن أن الوقت حان لإعادة تفعيل نشاط صناديق الاستثمار الوطنية، بما فيها «العقارية».

مازلت مُرحبًا بالاستثمار العربى فى صناعاتنا وشركاتنا ومجالات الاستثمار المتاحة لدينا، ولكن إن كنا بصدد برنامج كبير للتصرف فى أصول الدولة، فإن الموضوع يحتاج أن يتضمنه برنامج معروف وشفاف، وأن يدار بحكمة، بما يضمن للمجتمع العائد الاقتصادى السليم والعادل دون الاندفاع نحو البيع فى ظل أسوأ الظروف وأدنى الأسعار.

Rochen Web Hosting