«الملك لير»... الملك «يحيى الفخرانى»
«وليم شكسبير»، وهو يرسمُ ملامح «الملك لير» على الورق قبل أربعة قرون، كان يرسم ملامح «يحيى الفخراني». هكذا كتبتُ قبل سنوات. وفى حديث خاص مع الدكتور «يحيى»، أخبرنى أن «الطيب صالح»، الأديب الكبير، قال العبارة نفسها.
ويبدو أن هذا الانطباع قد استقر فى وجدان كل من فاز بمشاهدة هذه التحفة الفنية الأنيقة التى تُعرض على خشبة «المسرح القومي»، أحد أهرامات مصر الشواهق. وكلما شاهدتُ العرض، ازداد يقينى بأن تلك الشخصية الشكسبيريّة المركبة، تأبى أن تسكن إلا جسد هذا الفنان العظيم، الذى يجعلك لا تتوقّف أمام مأساة ملك جليل ذاق ثالوث المحن: عقوق الأبناء، وفقد السلطة، والفقر، بل يستوقفك ملمحٌ آخر فى شخصية «لير»: الطفولة. بعدما دخل عالم المُشرّدين، كان كلما قابل بائسًا أو شريدًا، سأله بعفوية: «هل بناتك جحدنك، وسلبنك كل ما تملك؟» تلك سمة الطفل حين يظن أن الكون يدور حول جرحه. هنا تتجلّى عبقرية «الفخرانى». لم يقدم جنون الملك ومأساته بالصوت العالى، والهذيان الساذج، وفائض الانفعال، وإنما كشف لنا الطفل المختبئ داخل ثوب الإمبراطور. وحده «الفخرانى» يعرف كيف تتبدّل ملامحُه من السلطان إلى الضعف والهوان، من الجبروت إلى طفولة تتسوّل الحنان. عيناه تنتقلان فى لحظة واحدة من سطوة ملك جبار، إلى حَيرة طفل خائف، تاه تحت الأعاصير والأمطار فى صقيع بريطانيا. تلك الطفولة تتسق مع سذاجته حين صدّق نفاق ابنتيه الكبريين اللتين سلبتاه كل شيء، والنفور من الصغرى الصادقة التى لم تُداهن، لكنها فى الأخير احتضنت هوانَ شيخوخته، رغم حرمانها من أبوته ومُلكه. صلفُ الملك الحَرون، والتأرجح المستحيل بين الجبروت والانكسار، بين السلطان والطفل، لا يحتمله إلا فنانٌ استثنائى من طراز يحيى الفخرانى. وكأن «الملك لير» هو الشخصية التى ظلّت تبحث عن مُجسّدها مئات السنين، حتى وجدته.
أما «شادى سرور»، فقد أثبت أن النصَّ العظيم لا ينبضُ بالحياة، إلا إذا صاغه بصريًّا مخرجٌ يملك جسارةَ استنطاقه من الورق، ومحاورته، ومشاكسته، لا مجرد ترديده. لم يسقط المعرضُ فى غُواية الحداثة الشكلية، ولا فى أسر القداسة الكلاسيكية، بل حفظ لشخصيات شكسبير جلالَها التاريخى،، متوسّلا فى الوقت نفسه، مفردات المسرح المعاصر، من السينوغرافيا والتكنولوجيا البصرية، دون أن يخون أصالة الرواية وعراقتها. لهذا فإن اجتماع أضلاع هذه الثالوث المدهش: شكسبير- الفخراني- سرور، أنتج هذه الوليمة المسرحية النادرة.
ولا يمكن الحديث عن فرادة العرض دون التوقف أمام بقية الأبطال الذين صنعوا هذه الملحمة الجماعية العظيمة. «أحمد عثمان»، الذى قدّم شخصية الداهية «إدموند»، حيث الشر لا يصرخ، بل يبتسم، ويُغوى، ويقنع، حتى تجد نفسك تحبّه قبل أن تكرهه. ويبدو أنه ملك الشخصيات السيكوباتية؛ إذ ذكّرنى بدوره فى مسرحية «العطل» لـ «فريدريش دورينمات»، التى أخرجها «أحمد فؤاد» على «مسرح الغد» قبل سنوات. أدهشنا بأدائه دور وكيل النيابة الماكر فى «المحكمة الدورينماتية»، إذ نجح بدهائه فى استخلاص الاعترافات من متهم، لم يكن يعرف أنه مُدانٌ أصلا.
أما «طارق الدسوقى» فى دور النبيل «جلوستر»، فقد منح الشخصية قلبًا نابضًا بالوجع. فى مشهد اقتلاع عينيه، فُجعتُ وبكيتُ، وقاومتُ نفسى لئلا أتركَ قاعة العرض وأصعدَ إلى الخشبة أحتضن أوجاعه. فلم يكن ممثلًا يؤدى دورًا صعبًا، بل إنسانًا يُسحق بمنتهى القسوة بسياط ثلاثة: عقوقُ ابنه، إخلاصُه للملك، رفضُه الخيانة فى بلاط الغدر والخيانة. فكان مرآة أخرى للملك المغدور، على نحو أشد مأساوية ودموية. حين دخلنا بعد العرض إلى الكواليس لتهنئة الأصدقاء، كان أول ما قلتُه له، بعفوية: «سلامة عينيك يا حبيبى». وكأننى نسيت أن ما رأيته تمثيلٌ، وذلك هو أعلى وسام يمكن أن يناله فنان.
ولا بد من تحية السينوغرافيا، البطل الصامت الذى أصبح اليوم شريكًا فى صناعة المعنى، لا محض خلفية للحدث. الإضاءة والموسيقى والمؤثرات البصرية، هى لغة المسرح التى تخلق المناخ النفسى، وتفتح الفضاء المسرحى على آفاق الخيال ورحابة التأويل. شكرًا لجميع صُناع إحدى أعظم خوالد شكسبير. وشكرًا للمسرح القومى العظيم على استضافة هذا العرض، الذى أثبت التهافتُ الجماهيرى عليه، ولافتة: «كامل العدد»، استحقاقَه أن يستمر إلى الأبد.
فى الصف الخامس، مثّلنا «كنج لير» فى مسرح المدرسة. منحونى دور «جونريل»، الابنة العاقّة الكبرى. بكيتُ وتوسلّتُ إلى مُعلماتى أن أؤدى دور الصغرى الطيبة: «كورديليا». لكنهن رفضن بحجّة أننى طويلة، فلابد أن أكون الشقيقة الكبرى. أديتُ الدور وأنا أكرهُ نفسى. وهذا جوهر المسرح: أن يوقظ الضمير الأخلاقى، ويغرس فى أرواحنا النزوع للحق والخير والجمال.
مقام السؤال: حين قال «بيكاسو»: «استغرقتُ ستين عامًا لأرسم كطفل»، هل كان «الملك لير» يلوحُ فى خياله؟.



