الوعد الذي نسيه زعماء العالم
تنتهى ولاية الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، فى الحادى والثلاثين من ديسمبر المقبل. وقد بدأت ولايته الثانية فى يناير 2022، قبل شهر واحد من اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، التى ما زالت مستمرة حتى الآن.
وفى العام التالى، اندلعت عملية «طوفان الأقصى»، وما زالت حرب الإبادة فى غزة مستمرة على يد جيش الاحتلال الإسرائيلى.
فى يونيو 2025، بدأت «حرب الأيام الاثنى عشر» بين إسرائيل وإيران، بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية. ومع مطلع عام 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية خاطفة فى فنزويلا انتهت باختطاف رئيسها والاستيلاء على نفطها، وبعد شهر واحد، أقدمت هى وإسرائيل على عملية عسكرية موسعة ضد إيران. وكان المتوقع أن تكون النتائج سريعة وناجحة، كما حدث فى فنزويلا، خاصة بعد اغتيال الصف الأول من القادة الإيرانيين، وفى مقدمتهم المرشد الأعلى. غير أن المواجهة اتسعت، وتواصلت تداعياتها، ووجدت الولايات المتحدة نفسها غارقة فى مستنقع هرم، لتنتقل كرة اللهب من هرمز إلى لبنان ثم اليمن، فى حرب تمتد عبر الخرائط العربية وتنتهك سيادة الدول وحرية الملاحة. وأمام ذلك كله، تظل المناشدات الأممية بلا آذان صاغية، لا إرادة سياسية قادرة على وقف نزيف الدمار وتخريب مقدرات بلدان عربية تضررت بسبب وجود قواعد أمريكية على أراضيها، وأصبحت أهدافًا لضربات إيرانية بالصواريخ الباليستية والمسيرات.
يقف الأمين العام للأمم المتحدة عاجزًا أمام اتساع رقعة العنف فى مناطق عدة من العالم. كل يوم تقدم لنا وسائل الإعلام قائمة بأعداد القتلى فى صفوف المدنيين، وتنقل إلينا مشاهد الحرب التى تترك الشعوب وقد تحولوا إلى نازحين ولاجئين، بلا سقف يأويهم أو طعام يسد جوعهم.
أما اجتماعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وما يصدر عنها من قرارات وتوصيات، فلا تجد طريقها إلى التطبيق، ينكسر القانون الدولى تحت معول القوة الغاشمة والقدرات العسكرية الطاغية. ولم يعد لحقوق الإنسان والمعايير الأخلاقية والإنسانية حضور يُذكر إلا فى أروقة المنظمة الدولية، أما خارج نطاقها، فالعنف الأسود يتربص بالجميع.
منذ أيام قليلة، دعا أنطونيو جوتيريش قادة العالم إلى الوفاء بوعودهم، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة، والدفاع عن القانون الدولى، وحماية حقوق الإنسان والدفع من أجل السلام. وحذّر من أن العالم يدخل «مرحلة من عدم اليقين»، تتسم بتحولات فى موازين القوة، وتغيرات متسارعة، وتهديدات متزايدة تتطلب تعزيز التعاون الدولى!.
ونحن نتابع مشاهد القتال والعنف والصراع فى العالم، وفى الشرق الأوسط ومنطقتنا العربية، نتساءل والألم يعتصر قلوبنا: ألا يوجد باب للخروج؟
يقولون إن الحرب تبدأ حين تفشل الدبلوماسية، لكن الأخيرة لم تُمنح فرصتها كاملة، ولم يتم التعامل معها بصدق وإخلاص وحسن نوايا. فتجار السلاح وأثرياء الحروب يرتزقون من الخراب، ويعقدون صفقاتهم مع الموت، وللأسف، يمتلك هؤلاء تأثيرا كبيرا فى دهاليز صنع القرار، ولهم أتباع نشطون فى المجال العام.
إن كل الأطراف المنخرطة فى هذه الحروب تظن أنها على حق، وأن الطرف الآخر على باطل؛ فلا يحاول أى طرف أن يفهم وجهة نظر خصمه أو يستوعب موقفه، حتى وإن كان يراه خاطئًا، كى يتمكن من التعامل معه وكسر حاجز عدم الثقة والخوف الذى يعد أكبر محفزات الحروب، رغم أن الحروب نفسها تزيد من حدته ولا تقضى عليه.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من بيانات الإدانة والشجب، بقدر ما يحتاج إلى قادة مخلصين للإنسانية، يدركون أن الدم البشرى ليس رخيصا، وأن مصير الأرض لا يتوقف على طغيان السلاح، وإنما على نقاء القلب وشجاعته.
فهل يتذكر قادة العالم وعودهم قبل أن يصبح ثمن نسيانها أكبر من قدرة البشرية على الاحتمال؟



