ندم المحارب.. الثمن الحقيقي للحرب
لست هنا بصدد كتابة نقد سينمائى لفيلم «The Odyssey»، إنتاج العام الحالى، لكن ما يشغلنى شىء آخر: التحولات التى تحدث فى نفوس المحاربين، المنتصرين والمهزومين على حد سواء. فثمة أجزاء من النفس الإنسانية تدمرها الحروب، وتظل عالقة فى الذاكرة، فتجعل المستقبل أسيرًا للماضى، وتترك الإنسان عاجزا عن الفكاك مما عاشه وشهده.
المقاتلون يحتاجون إلى إعادة تأهيل نفسى بعد عودتهم إلى أوطانهم. وربما كانت رحلة أوديسيوس، بطل حرب طروادة، واحدة من أقدم الصور الأدبية لهذه المعاناة. فقد امتدت رحلته فى التيه سنوات طويلة، واجه خلالها عقبات لا حصر لها، وفقد جميع رجاله، حتى عاد أخيرا إلى وطنه، إيثاكا، رجلًا آخر غير ذلك الذى غادره.
الفيلم لا يكتفى باستعادة ما نعرفه عن الملحمة الشهيرة، بل يقدم تجربة أوديسيوس، بطل حرب طروادة، بوصفها تجربة إنسانية تتكرر.
فحين وقف أوديسيوس وسط أطلال طروادة المحترقة، بعد عشر سنوات من الحصار، وبعد أن نجحت الخدعة التى ابتكرها، حصان طروادة، كان عليه أن يواجه حقيقة لم تكن واضحة له وسط ضجيج المعركة: أن مشاعر الانتقام هى التى قادت المشهد، لا الدفاع عن الحق.
فالذين حاصروا المدينة طوال عشر سنوات لم يعودوا يريدون مجرد الانتصار عليها؛ لقد أرادوا الانتقام من أهلها وإذلالهم، بقدر ما أذلتهم حصونها المنيعة، وبقدر ما ظلوا عاجزين عن اختراقها طوال سنوات. وحين سقطت المدينة، لم يتوقف الأمر عند حدود النصر العسكرى، بل تحول إلى مشهد من القتل والنهب والتخريب واغتصاب النساء وذبح الأطفال وتدمير تماثيل الآلهة.
وفى ضوء النيران التى اشتعلت فى طروادة، انكشفت لأوديسيوس حقيقة ما جنت يداه، وأدرك فداحة الثمن. لم يعد الأمر يتعلق باستعادة هيلين أو الدفاع عن شرف اسبرطة وكرامتها، بل بدا أن وراء الحرب مصالح وأطماعا تتجاوز الشعارات المعلنة، وأن طروادة كانت هدفا للصراع على النفوذ وطرق التجارة.
المأساة لم تكن فى مصير الطرواديين وحدهم، فقد رأى أوديسيوس أيضا كيف فقد معظم رجال جيشه. وأصبح عليه أن يواجه سؤالا آخر، أكثر إيلاما: ماذا سيقول لعائلاتهم حين يعود إلى الوطن؟، وماذا سيحكى لابنه؟. هل سيخبره أنهم صنعوا المجد وحققوا النصر بشرف، أم سيقول له إنهم خدعوا وقتلوا وداسوا على كل المقدسات فى سبيل الانتصار؟.
(2) التيه الذى نعيشه اليوم
مع كل هذه الحروب التى تدور رحاها حولنا، هل نستطيع حقا أن نقول إننا أفضل ممن سبقونا؟، وهل لدينا اليوم أسباب أكثر عدالة أو أهمية لخوض الحروب؟.
نحن نشاهد نتائجها على الهواء مباشرة: قتل وتخريب ودمار، ومدن تتحول إلى أطلال، وأطفال يفقدون حياتهم ومستقبلهم، وعائلات تُقتلع من جذورها. ومع ذلك، يبدو أننا أصبحنا أكثر ضياعا من أى وقت مضى، إذ تختلط الأكاذيب بالحقائق على نحو يفوق قدرتنا على التمييز بينهما، ويصبح الإعلام شريكا أساسيا فى ترويج الروايات المضللة وتبرير العنف، ويصبح الموت مشهدا يوميا مألوفا، والضحايا مجرد أرقام فى نشرات الأخبار، وبذلك نخسر جزءًا أساسيا من ضمائرنا وإنسانيتنا.
الحروب ليست قدَرًا محتوما، بل اختيارات بشرية، يتحمل أصحاب القرار مسؤوليتها، وتدفع الشعوب ثمنها، ومهما تعددت مبرراتها وشعاراتها، تترك جراحا لا تندمل بمجرد إعلان النصر أو توقيع اتفاقيات السلام.
أفكر فى أوديسيوس اليوم أكثر من أى وقت مضى، فهو لم يكن فى الحقيقة يبحث عن طريق إلى إيثاكا فحسب، بل كان يبحث عن طريق للعودة إلى نفسه.
وهذا هو الثمن الحقيقى للحرب: أن يعود الإنسان إلى وطنه، بينما يظل جزء منه عالقا إلى الأبد فى ساحات القتال. فهل يتعلم قادة العالم من حكاية أوديسيوس، أم سيظل البشر يخوضون الحروب نفسها، ويعيدون إنتاج المآسى ذاتها، ثم ينتظرون من الناجين أن يجدوا وحدهم طريق العودة؟.



