رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

عشر قصص قصيرة جدًا

قسم : مقالات
الجمعة, 06 نوفمبر 2026 10:01

قطع عامل البلدية الشجرة العتيقة الوحيدة فى الشارع العريض، فسقطت على الرصيف الخالى، ثم جلس متعبًا، يتفصد العرق من كل جسده.

هاجت العصافير العطشى حزينة على انهيار دنياها الجميلة. حامت حوله، فرأت قطرات العرق تتساقط من وجهه وعنقه وساعديه وساقيه، فهجمت عليه، تلتقط حبات الماء، حتى جفت.

لم يكن ظمأها قد ذهب بعد، فضربت مناقيرها فى عروقه تسحب من دمه بقوة، حتى خر ساقطًا إلى جانب الشجرة القتيلة.

(جهل)

فاض الجهل فى رأسه، فراح يعلن على حسابه الشخصى فى «فيسبوك» أنه على استعداد تام لمناظرة العلماء، كل فى تخصصه، ثم أقسم أنه واثق تمامًا من انتصاره عليهم جميعًا، ولم يكن يشعر فى هذه اللحظة أنه يزايد أو يكذب أبدًا.

(حرب)

اشتد سعار الحرب، وتوالت أخبار عن قنابل تسقط فوق رؤوس الناس وهم فى بيوتهم. كان يقطن بيتًا بعيدًا آمنًا، لكن الخوف استبد به من أن تمتد ألسنة النار إليه.

أغلق التلفاز، وهاتفه الذكى، وراح يتخيل ما يجرى هناك، وهو يحصى القتلى والجرحى، محملقًا فى خريطة للوطن معلقة على أحد الجدران.

لم يزر النوم عينيه لسبعة أيام. غلبه الانفعال، فجرى إلى المطبخ. خطف سكينًا، وجرح إبهامه، فتدفق الدم غزيرًا. مده إصبعه إلى الخريطة. أغمض عينيه، وأخذ يمرر إصبعه عليها بقوة.

حين فتح عينيه، وجد كل شيء قد تلطخ تمامًا: أسماء البلاد والأنهار والوديان والجبال والصحارى والبحر. حتى السماء صارت حمراء.

(صيام)

لا تدرى زينة رمضان المعلقة فى صالة البيت عليها صورة أشهر الدعاة فى البلاد، أن أصحابه غير صائمين: البنت داهمتها الدورة الشهرية. المرأة مريضة سكرى. الرجل لم يعتد الصوم منذ صغره فاعتبر نفسه ممن لا يطيقونه. الولد الصغير ليس عليه صيام بعد. القطة لا تكف عن التهام الطعام الجاف، وشرب اللبن.

مع هذا كانوا يرصون أطباق الطعام فوق المائدة، وينتظرون فى لهفة آذان المغرب، وهم ينظرون إلى صورة الداعية فى امتنان.

(عناقيد)

حين علق عمال المقهى عناقيد نور أخضر وأحمر احتفالًا بتجديده، جلس إلى مقعده المعتاد، وشرد طويلًا فى عناقيد العنب للشجرة الوحيدة التى كانت تمد فروعها فوق تكعبية واسعة أمام بيته الريفى.

فى دوائر دخان أرجيلته رأى نفسه يمد يده إلى الأخضر الذى كان يستطعم لذوعته، والأحمر الذى كان يسكب حلاوته فى جوفه، لكنه لم يسمع هنا زقزقة طير، ولم ير ثعالب تترقب من بعيد، ولم يشم رائحة زكية، أو تدوس قدميه أرضًا مفروشة بأوراق عنب يابسة لدنة.

إلى جوار مطعم يطل على شاطيء البحر، وتفوح منه رائحة الشواء جلس جائعًا. لم يكن معه ما يكفى لشراء أى شيء، حتى ولو رغيف واحد. مد أنفه يسحب من الدخان الدسم على قدر استطاعته، لكنه شعر أن هذا يزيد من جوعه.

لم يدر كم مر من الوقت وهو على حاله هذه. أغمض عينيه حتى لا يرى الجالسين حول الطاولات يلتهمون الكباب والكفتة والدجاج والحمام المشويين.

شعر بشىء يحط فى يده المبسوطة فوق ركبته. فتح عينيه فإذا بنورس ضخم يلقى فيها سيخًا من الكفتة، بينما كان آخر يطير نحوه، وفى منقاره رغيف طرى.

(معركة)

جلس الراعى يتابع كبشين يتشاجران. راحا يبتعدان ثم ينظر كل منهما فى عين الآخر، ويجريان فى سرعة شديدة لتتناطح قرونهما الأربعة. كررا هذا أربع مرات. فى المرة الخامسة لاحظ أحد الكبشين أن الراعى يرسل إليهما نظرات مسكونة بالشغف، فنظر إليه طويلًا، ثم استدار نحوه، وهجم عليه. هب مفزوعا يجرى إلى الأمام، فكان الكبش الآخر ينتظره وقد رفع قرنيه حتى يضمن بلوغهما صدر الراعى.

(نظرات)

جمعت النظرات الملهوفة التى تابعتها وهى تسير فى خيلاء، فدستها فى منديلها الوردى، ولمَّا بلغت غرفة نومها راحت تمسح به الغبار الذى تكاثف فوق مرآتها المصقولة، لترى وجهها أجمل كثيرًا مما هو عليه.

(نحن)

بين أنا وأنا تأتى أنا، ينطقها فى العبارة ومنتصفها، ويختمها بها، فإن أراد تغييرًا استعان بكل مرادفاتها. كان سامعوه يتحملونه لحلاوة حكاياته، وهم متأكدون أنها من صنع خياله.

لم يروه كاذبًا، إنما مسلى، واستمرأ هو سكوتهم، فظنهم مصدقو كل ما يتفوه به، حتى انتفخ صدره ذات يوم، وقال: «نحن». ولأنه كان سمينًا جدًا، اعتبروه يتحدث عن نفسه بوصفه جماعة وليس فردًا.

يوم موته بكوه كثيرًا، لأنهم سيفتقدون حكاياته الطريفة. فى جنازته، قال أحدهم:

ـ يذهب الناس إلى الله فرادى، إلا هو.

كتم الثانى ابتسامته، وقال:

 

Rochen Web Hosting