لا نهاية للأسئلة الأمريكية
لا تزال التجربة الأمريكية تقدم للعالم ما يدل على مدى حيويتها الفوّارة، ولا تزال الحيوية هى الهواء الذى تتنفسه الحياة السياسية فى الولايات المتحدة، ولن تكون انتخابات التجديد النصفى للكونجرس آخر دليل.
كيف تستطيع أمريكا تجديد دمائها كل أربع سنوات بهذه الهمة؟.. هذا هو السؤال.. وكيف يمكنها إخضاع رئيس مثل الرئيس ترامب رغم رعونته وعجرفته وحماقته؟.. هذا سؤال آخر.. وكيف يمكنها استعادة حيويتها كلما ظن العالم أنها غير قادرة؟.. هذا سؤال ثالث.. ولا نهاية فى الحقيقة للأسئلة من هذا النوع!
فى ٢٠٢٠ كان ترامب قد خسر السباق الرئاسى أمام بايدن، وكان قد راح يردد كلامًا عجيبًا من نوعية أن الانتخابات مزورة، وأنه لن يغادر البيت الأبيض، لأنه هو الرئيس الفائز لا بايدن!.. فلما زاد كلامه فى هذا الاتجاه عن حده، جاء إليه مَنْ همس فى أُذنه بأنه إذا لم يغادر مكتبه فى الموعد المقرر، فإن الفريق المكلف بحراسته هو مَنْ سيتولى إخراجه من البيت الأبيض.. ولم يملك سوى أن يمتثل!
وكان المعنى أن فى البلد مؤسسات وقواعد للحكم، وأنها ليست متروكة للهوى، وأن أحدًا مثل ترامب ولا غير ترامب سوف يستعصى عليها. وعندما دخل البيت الأبيض رئيس متواضع القدرات مثل جورج بوش الابن، كان من الغريب أن يصل واحد مثله إلى رئاسة أقوى بلد فى العالم، ولكن لأنه أقوى بلد فإنه كفيل بتجربة مثل تجربة بوش الابن، ثم قادر على تجاوزها.. وهذا ما حصل!.. وما يقال دائمًا عن أن الديمقراطية قادرة على تصحيح نفسها بنفسها ليس كلامًا إنشائيًا، ولكنه فعل يتكرر على الأرض فى بلاد العم سام سباقًا بعد سباق، وعلى مستوى الرئاسة والكونجرس معًا، وبشكل يدهش كل مهتم أو متابع.
وإذا شئت فأمامك مثال ترامب الذى بقى يقول قبل انطلاق سباق الكونجرس إنه لن يعترف بالنتيجة إذا كانت فى غير صالح حزبه الجمهورى، أو إذا كان يظن أنها مزورة، فلما رأى تقدم الحزب الديمقراطى بعينيه تراجع تمامًا عما كان يردده، بل وذهب إلى القول إنه راغب فى التعاون مع الديمقراطيين الذين صاروا أصحاب أغلبية فى مجلسى النواب والشيوخ معًا!
الفكرة فى القصة كلها أن أحدًا لم يتوقع النتيجة ولا حتى قبل انطلاق السباق بساعات، وجميع استطلاعات الرأى كانت تتحدث عن تقدم للجمهوريين هنا، أو للديمقراطيين هناك، ولكنها لم تذكر أن فوزًا كبيرًا للحزب الديمقراطى سيحدث كما حدث وتابعناه.. وهذه بالضبط هى الديمقراطية بمعناها الخالص.. معناها الذى لا تستطيع معه أن تتوقع أو تحدد الطرف الفائز، لا لشىء، إلا لأن الذى يحدد ذلك هو الناخب.. والناخب وحده!



