الجولاني في رواية «السلفي»
قال لي متحمسا: تُذكرني حكاية أحمد الشرع (أبومحمد الجولاني) مع والده ببطل روايتك «السلفي»؟
نبشت في ذاكرتي لاستدعاء نص رواية رأت طبعتها الأولى النور عام 2014 وكتبت بعدها الكثير، فتراكمت عليها نصوص ونصوص في رأسي حتى غامت، وسألته: كيف؟
أجاب: والد أحمد الشرع رجل ذو توجه «ناصري»، محسوب بالطبع على هذا الاتجاه اليساري القومي، وابنه انضم إلى تنظيمات إسلامية مسلحة مثل داعش والقاعدة والنصرة وأخيرا «جبهة تحرير الشام».
ابتسمت وقلت له: لم تأتِ الرواية بشيء جديد في هذه، فالحياة مليئة بنماذج مشابهة، رجل علماني يولد من صلبه متطرف ديني، ومتطرف ديني يولد من صلبه علماني، ويمكن لماركسي أن ينجب ليبراليا، والعكس.
وفي أسرة واحدة وجدنا أخوين أحدهما ناصري والآخر إسلامي، وأتذكر أنّ شابين ينتميان للتيار المدني دعوا بعض رموز القوى المدنية لعقد ندوة في قرية الشوبك الشرقي بمركز الصف في الجيزة بعد ثورة يناير، وكنت منهم، فلما دخلنا البيت، قال لنا أبوهما: لديّ أربعة أولاد: اثنان من السلفيين، واثنان من الليبراليين. ثم ضحك وقال: أرجو ألا تنسى الندوة ذلك.
واصلت قولي: هناك فرق بالطبع، فوالد بطل روايتي كان محاميا ليبراليا، يكتب مقالات في الصحف ينتقد فيها مسار ما يسمى «الإسلام السياسي»، والابن غائب طوال الرواية، وهو يحدثه من بعيد، ثم يذهب ليبحث عنه من خلال المرور بعتبات قريته، بناء على وصية شيخة صوفية، لكن نكتشف في نهاية الرواية أنّ الأب يُحدث نفسه، ففجيعته في ابنته أصابته بالفصام، فظل طوال الرواية يحدثه، والقارئ يظن أنّ الابن معه.
بطل روايتي غائب حاضر وراويها حاضر غائب تسير بها من عتبة إلى أخرى عبر أزمنة لا تكتسب أهميتها من ذاتها وإنما من الأماكن التي يطوف بها الراوي حاملا على كتفيه نبوءة قديمة ومتحدثا إلى ابنه السلفي الذي اختطف روحه الجهاديون ليحارب معهم في بلاد غريبة ويحاول الأب المكلوم استعادته من صحاري الدم والهلاك.
روايتي تسرد معاناة أب يعمل محاميا ويؤمن بأفكار عصرية مع ابنه الجامعي الذي تسلل «السلفيون المسلحون» إلى عقله وجندوه ليأخذوه معهم في الحرب التي خاضوها ضد الروس في أفغانستان، وبعدها ينضم إلى فصيل من تنظيم القاعدة.
وبعد أن أعيت الحيل الأب في استعادة ابنه عبر كل الطرق المعروفة، ما أدى إلى إصابته بالفصام، يتذكر نبوءة قديمة لعبدة صالحة كان الكل في قريته يعتقد في كراماتها ذكرت له فيها أنّه لن يستعيد الغائب، روحا أو جسدا، إلا إذا مر بكل عتبات بيوت القرية ليشرح لهم منابع التدين المعتدل الذي تعلمه الأب في الصغر، والذي لا يزال يؤمن به.
وفي طوافه عبر البيوت يستعيد الأب كل مسرات أصحابها وأوجاعهم، سواء من بقي منهم على قيد الحياة أو من رحل تاركا وراءه حكايات صغيرة تتناسل بلا هوادة.
أما أحمد الشرع فلم يمت في المعارك كافة، وها هو يهذب لحيته ويشذبها، ويعطي إشارات إلى إمكانية ترشحه لرئاسة سوريا. شتان بين غائب وحاضر، بين من ضاع في الجبال هناك وبين من يتقدم الآن بخطوات واثقة ليجلس مكان الهارب بشار الأسد، وعليه أن يتفادى الوقوع في فخ «الفصام السياسي»، الذي بدأ كثيرون يتحدثون عنه.



