رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

العناد يورِّث الكفر (13)

قسم : مقالات
السبت, 28 ديسمبر 2019 11:20

بدا أن قريشاً لا تنى ولا تهدأ، ولا تفارق غطرستها وعنادها وإنكارها وصلفها وغرورها وصدها عن سبيل الله.. تحاصر محمداً وصحبه ولا تدع سبيلاً للنكاية والإيذاء إلا طرقته.. وتمعن فى محاولتها عزل النبى، صلى الله عليه وسلم، والحيلولة بينه وبين نشر دعوته.. بالأمس كفتها ثقيف مؤنة وقف التفسحة للدعوة بالطائف، ولكن صار عليها الآن أن تحاذر من انطلاقها بخارج مكة وما حولها، فماذا عساها تصنع وقبائل العرب تختلف إلى مكة لتؤم أسواقها ولتزور البيت العتيق.. أتستطيع قريش أن تحول بين محمد وبين الإلمام بالزائرين وبالحجيج؟! إن محمداً يثبت يوماً بعد يوم أن لا شىء يثنيه عن تبليغ رسالته.. وها هى الأيام تثبت لهم يوماً بعد يوم أنه لا يخيفه إيذاء ولا إرهاب ولا إعنات، ولا يصده حائل.. يملؤه يقين يدهشهم بأن الكتاب الذى نزل به سيبلغ فى النهاية أجله.

ومع ازدياد هلع قريش وسعارها، جعلت تلاحق النبى، عليه السلام، فى جولاته بتجمعات الحجيج فى موسم الحج.. وعلى سفوح منى، أرسلت قريش من ورائه أبا لهب مدفوعاً بغيظه وحنقه.. فيبث بدوره بعض العيون لترى ماذا يفعل، وجعل أبولهب يتتبع النبى وهو يدعو وفود العرب إلى الإسلام، ويحدثهم بأن الله تعالى يأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.. وأن يخلعوا ما يعبدونه من دونه من هذه الأصنام التى جعلوها لله أنداداً!! ويقول لهم: «يا قوم إن هذا الرجل إنما يدعوكم أن تسلخوا اللاّت والعزى من أعناقكم وحلفائكم من الجن بنى مالك بن أَقَيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة.. يا أيها الناس، إنه كاذب فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه»!!

وفى مشهد آخر، يتقدم أبوجهل من خلف النبى، صلى الله عليه وسلم، فيتناول حفنة من التراب، ويسفى بها على هامته الشريفة ويقول للجمع: «يا أيها الناس، لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللاّت والعزى.. يريد أن تدَعوا عبادة آلهتكم وما ورثتموه عن آبائكم وأجدادكم»!!

لا يترك أبولهب، ومن ورائه أبوجهل ورهطهما، موضعاً يذهب إليه النبى، عليه السلام، إلا لاحقوه ليسفهوا دعوته، ودون أن يجدوا حرجاً ولا غرابة فى القسم باللاّت والعزى.. فهم قد قطعوا كل صلة لهم بالبيت الحرام بالمعنى الذى أراده الله تعالى أن يكون مثابة للناس وأمناً، وأن يُطَهَّر للركع السجود الذين يركعون إلى الله لا إلى الأصنام والأوثان.. فملأوا الكعبة عن آخرها بهذه الأصنام التى جعلوا يتعبدون لها ويقدمون لها القرابين!!

لم يكن هؤلاء المشركون الذين شنفوا للرسول، عليه السلام، وآذوه وعذبوا المسلمين، لم يكونوا يعرفون مقاماً حقيقياً ولا حجاً حقيقياً للبيت الحرام، بل كان الحج الشائع لديهم للبيت العتيق قبل الإسلام، لا ينتمى للدين بأى صلة.. بل تعمدت قريش بتدبير رءوسها أبى جهل وأبى لهب والنضر بن الحارث وغيرهم، أن تدفع الصبية والسفهاء إلى معارضة طواف المسلمين بالكعبة بطواف عابث هازئ يصفرون فيه ويصفقون ويضعون خدودهم على الأرض للاستهزاء بالمسلمين.. لا يقصدون بهذا الطواف العابث عبادة ولا ابتهالاً، وإنما هى النكاية والعناد الضرير والصَد السفيه عن سبيل الله!

ما كاد صبح أحد الأيام يتنفس، حتى كانت قريش قد علمت بنبأ هذه البيعة التى تمت فى العقبة على الطريق من مكة إلى منى، فانزعجت انزعاجاً شديداً لم تطق عليه صبراً، وانطلق رءوسها ينشدون مضارب القادمين للحج من يثرب على سفوح منى.. وبدأوا بالخزرج، فبادروهم بعتاب غاضب.. «يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حىّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم»!

بادر زعماء قريش بالذهاب إلى دار الندوة بجوار الكعبة، ليتدبروا ماذا يفعلون فى محمد، صلى الله عليه وسلم.. أيقتلونه؟.. ولكن أتسكت بنو هاشم عن المطالبة بثأره؟!.. ماذا هم فاعلون؟!!!.. ها هو محمد يمضى فى دعوته ولا يبالى.. لا يدع بيتاً من بيوت مكة إلا دعا أهله إلى الإسلام.. ولا أحداً من الحجيج الذين يأتون لزيارة البيت العتيق إلا ألمّ به وتحدث إليه وسحره بقرآنه ودعاه للإسلام.. لم يفلح تعقب أبى لهب وأبى جهل وتكذيبهما له وحضهما الناس على عدم الاستماع إليه.. لم يُجْدِهم شىء من ذلك.. لا يفهمون لذلك سبباً إلا أن لحديثه طلاوة كأنغام الشعراء.. إنهم يخافون بنى هاشم إذا قتلوه.. إذن فليقيّدوه ويحبسوه.. يقول قائل منهم: «احبسوه فى وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم!!».. فيتنزل الروح الأمين على النبى المصطفى يتلو عليه من كلمات ربه: «فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ» (الطور: 29-31).

 

جعلت قريش تتسقط الأخبار لتعرف الحقيقة فى أمر من تناهت الأنباء بأنهم بايعوا محمداً من الأوس والخزرج.. وتأتى الأخبار لقريش بأنه قد غرر بهم، وأن أهل يثرب قد بايعوا محمداً، صلى الله عليه وسلم، وأعطوه العهد والأمان.. فتستشيط قريش غضباً، وتتنادى للخروج فى طلب القوم قبل أن يفلتوا إلى يثرب..

وعند «أذاخر».. وهو موقع قريب من مكة، لحقت طلائع قريش بسعد بن عبادة،

من زعماء الخزرج، بينما تمكن المنذر بن عمرو، أخو بنى ساعدة بن كعب بن خزرج، من الإفلات.. فأخذت قريش تصب جام غضبها على سعد بن عبادة.. تكأكأ عليه الرجال فربطوا يديه إلى عنقه برباط رحله.. واحتملوه مربوطاً مقيداً إلى حيث أدخلوه مكة على هذه الحالة: يضربونه ويجذبونه بجمته (مجتمع شعر الناصية)، وكان ذا شعر كثير.. وبينما سعد بن عبادة فى كرب شديد.. يعترض الركب رجل من قريش: وضىء أبيض شعشاع (الطويل الحسن).. هو سهيل بن عمرو. يتوسم فيه «سعد» خيراً، ولكنه يفاجأ به لدى دنوه منه يلكمه لكمة شديدة حتى أيقن «سعد» من الهلاك، بينما القرشيون آخذون فى سحبه وسحله.. يقترب منه رجل من أهل مكة هو أبوالبخترى بن هشام.. فيسأله: ويحك!! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟!

فيقول له سعد بن عبادة مغالباً ما فيه من ضنك: «بى والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدى تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادى.. وكذا للحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس».. فيقول له أبوالبخترى: «ويحك!! فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما من جوار»..

وطار أبوالبخترى وكان شهماً، ليبحث عن جبير بن مطعم أو الحارث بن حرب ليجيرا سعد بن عبادة، فألفاهما عند الكعبة، وما كادا يسمعان منه ما لحق ويلحق بسعد بن عبادة، حتى طارا إلى الأسير.. ولم يلحقا به إلا وهو مشرف على الهلاك، فأجاراه واستخلصاه من أيدى القرشيين!!!

بدأت ببيعتى العقبة الأولى ثم الثانية، مرحلة افترقت فيها المشاهد افتراقاً كبيراً بين مكة، مسقط رأس النبى، عليه السلام، والتى يقاومه طواغيتها ويعنتونه ويؤذونه، وبين يثرب أو المدينة المنورة التى جعلت تمثل أملاً للدعوة الإسلامية المحاصرة بمكة..

فى يثرب وصل أصحاب البيعة من الأوس والخزرج، فرحين مستبشرين، يملؤهم السرور والغبطة بما بايعوا به وعليه النبى المصطفى، عليه السلام، تغمرهم أنوار الإيمان وتملؤهم مشاعر جارفة تغذيها عزائم قوية مخلصة لتهيئة مدينتهم لاستقبال طلائع المهاجرين إليها من مكة.. فلا يترك أصحاب البيعة فرصة إلا اغتنموها لزيادة رقعة الإسلام والمؤمنين به بالمدينة.

Rochen Web Hosting