رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

الحكايات الخرافية المصرية.. الإبهام والإيهام والإلهام والإفهام

قسم : مقالات
الجمعة, 16 يناير 2026 18:28

 

 

 

قبل سنة تقريبًا كنت أسعى لكتابة مقترح لبحث حول الأثر الاجتماعى للحكايات الخرافية، وكعادتى رحت أفحص ما كتب فى الموضوع لأقف على مختلف الدراسات السابقة، فانتبهت إلى أن حكاياتنا هذه لم تأخذ حظها من نصيب آدابنا، وإن اهتم بها جامعو التراث، ودارسو الأنثربولوجيا، فهم يسجلونها كما سمعوها، دون زيادة أو نقصان، بينما كنت أعرف أن الأديب الألمانى الكبير هرمان هسة له كتاب بديع بعنوان «حكايات خرافية»، وكنت قد قرأت ما كتبه هانز كريستييان أندرسون فى هذا الاتجاه.

نسيت البحث تماما، وعشت شهورا مع سحر المخيلة الشعبية المصرية حين جمعت من قريتى وقرى مجاورة لها، ومما كان محفورا فى ذاكرتى من أيام الطفولة، سبعين حكاية خرافية، ستصدر فى كتاب عن «الدار المصرية اللبنانية» بالقاهرة مع معرض القاهرة الدولى للكتاب تحت عنوان «الأرانب الحجرية.. ٧٠ حكاية خرافية»، عرفت منها ومعها أن هناك واقعية سحرية مبهرة يتداولها أهل مصر على مدار قرون من الزمن، تتشابه مع غيرها لدى أمم أخرى.

ورغم كل ما قرأته من قصص وروايات ومسرحيات وأشعار لا يمكننى نسيان الحكايات الهائمة التى كانت تُسرد على مسامعنا فى الصغر. بعضها كان يخيفنا، وبعضها كان يسلينا، وكلها كانت تلهب خيالنا الغض، فينطلق مجنحًا، وتُشحذ الذاكرة بصور ومشاهد وعبارات ومجازات، وينطلق الذهن مراوحًا بين التوسمات والتوهمات، وينتقل بنا من الإيهام والإلهام إلى الإفهام، فيتسع عالمنا، حتى لو كان اتساعه هذا من صنع الخيال.

لم يكن ما نسمعه سوى حكايات بعيدة عن البرهان، وعما يمكن إثباته علميًا، لكن منذ متى كان البرهان وحده هو المنفذ الوحيد لفهم كل ما يجرى فى الحياة؟ فالدنيا ليست، بأى حال من الأحوال، معادلة رياضية أو قانون فيزيائى.

فى رؤوسنا نبت السؤال: هل يمكن إنكار أن ما كشفه العلم إلى الآن ليس سوى النذر اليسير من أسرار الكون؟ وحتى لو بلغ العلم شوطًا بعيدًا فى إجلاء الغامض وفهم السائد، فهناك الكثير مما لم يبلغه بعد، وهناك ما قد لا يقدر البشر على كشفه أبدًا، بالأدوات المادية، مما يدور فى المساحات المجهولة من الكون، وحتى لو قدر على ذلك، فهناك فى الحياة أشياء مفيدة وملهمة مربوطة بالتذوق والحدس، وجيشان المشاعر، والشغف بالغرائب، والبحث عن الدهشة التى تكسر رتابة الحياة، وتعلن تمرد الإنسان على أن يكون مجرد آلة منضبطة، وكل هذا لا يعنيه العلم فى شيء، ولا يريد.

إن الجمال، بوصفه أحد الجواهر الأساسية للفن، لا يمكن أن يكون معادلات صماء، ولا يخضع لمنطق، ولا يقف حتى عند حدود الحدس، إن بوسعه أن يسيح فى كل ما وراء الطبيعة، وما وراء العقل، وما وراء القدرة التى بوسع الإنسان أن يحصلها فى تفاعله مع تصاريف العيش، وكل هذا يعطى للحياة طعمًا، ويجعل قانون «المنفعة الحدية» الذى يتحدث عنه الاقتصاديون واقفًا عند حدود استهلاك الأشياء المادية، بينما تجدد الرغبة فى معرفة الغرائب والتسلية والتسرية والتزجية بها، مفتوحة بلا حد ولا سد ولا قيد.

إننا فى هذا المضمار نعيش فى جدال وسجال دائمين بين ثلاثة فرق: الفريق الأول يضم من يؤمنون بوجود كائنات أخرى تعيش معنا على الأرض أو فى كواكب أو حتى مجرات أخرى، لكن بوسعها الاتصال بنا أو التواصل معنا، إذ ليس من المنطقى ألا يكون هناك مكان مأهول فى هذا الكون فسيح الأرجاء إلا على الأرض، وهنا ينطق صوت العلم. وقد أتت الكتب السماوية على ذكر مثل هذه الكائنات مثل الجان والعفاريت والشياطين ويأجوج ومأجوج، وهنا ينطق صوت الدين، فكل المعتقدات التى يعتنقها البشر على كوكبنا، وفى كل الأزمنة، لم تخل من حديث عن عوالم خفية، عن أرواح وأشباح، وكائنات لطفية لا تُرى بالعين المجردة، لكنها يمكن أن تتجسد لبعض من يملكون وسائل اتصال بها، من ملهمين أو مستعينين بقدرات استثنائية وخاصة، لا تنطبق عليها قوانين الحياة، التى تمد البشر بأسباب العيش، وتعينهم على التقدم فيها وفق ما يحوزه البشر من مؤهلات تمنحها لهم العقول والسواعد.

والثانى يضم من ينكرون هذا، ويعتبرون كل حديث عن العوالم الخفية هو مجرد تخيلات وتخرصات، وبعضه يُعزى إلى أمراض نفسية عميقة أو وساوس وهلاوس وضلالات وأباطيل، أو حتى اختلاق يبدأ قليلًا ضئيلًا ثم يجرى عليه قانون الشائعات أو تناسل وانتشار الخطاب الشفاهى، حيث يضيف إليه كل شخص شيئًا جديدًا وهو يتقدم من لسان إلى أذن، ومن أذن إلى لسان، دون توقف، فتتناثر الحكايات بلا هوادة.

أما الفريق الثالث فيقف فى المنتصف، حيث يرى أن ما تضيفه المخيلات البشرية أو ينطق به البعض من عند نفسه كذبًا لا ينفى وجود هذه الكائنات الخفية عنا فعلًا، وعلينا أن ندرك هذا ونجد له من الأسباب العقلية ما يقنعنا، إلى جانب ما أوردته النصوص الدينية، التى طالبتنا بالإيمان بالغيب، وأخبرتنا عند شيء من العجز فى معرفة ما يأتى، حتى ولو حرصنا، عبر إطلاق الخيال العلمى، وإحكام الدراسات المستقبلية، أو حتى الاستعانة بكائنات غير إنسانية، حسبما يؤكد البعض وجودها، أو اللجوء إلى الإشارات والرموز.

هناك من لا يعنيه السجال حول العوالم الخفية، ويلفت انتباهه سحر الحكايات حول العوالم الخفية، أو ما وراء الطبيعة، ويجدها فرصة سانحة لالتقاط مادة جيدة لكتابة أدبية قصصية أو روائية أو حكايات تنتمى إلى «الواقعية السحرية» أو إلى «الفانتازيا» وبعضها قد ينتمى إلى «الواقعية الروحانية»، ويطلق على بعضه أيضًا مصطلح «الحكايات الخرافية»، ومنه ما يكتمل وجوده فى المخيلات، ويتماسك شيئا فشيئا، فيرسخ مع الزمن من الأساطير، التى لا تخلو أمة منها.

كنت من بين هؤلاء الذين تعاملوا مع الحكايات الخرافية بوصفها لونًا من الأدب السردى القصير المنتمى إلى عالم الوهم، حيث الشخصيات الخيالية والأفعال الخارقة، والذى يتم تداوله شفاهة، لكننى أعملت قلمى فى هذا الشفاهى لأنسج سبعين حكاية تبين ثراء مخيلتنا الشعبية، وكيف أن واقعنا يضج بسحر خيال يجعلنا فى غنى عن النقل عن آداب آمريكا اللاتينية فى هذا الخصوص كما يفعل البعض منا.

 

Rochen Web Hosting