رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

من خريفٍ طويل.. إلى ربيعٍ منتظر

قسم : مقالات
الجمعة, 05 يونيو 2026 14:24

 

 

ليست الأمم مجرد خرائط تُرسم على الورق، ولا حدود تُحرس بالسلاح، ولا أرقام تُعلنها الحكومات فى بياناتها.

الأمم فى جوهرها حالات وعى.

وحين تمرض الأمة لا يظهر مرضها أولاً فى اقتصادها أو سياستها، بل فى علاقتها بنفسها، وبالزمن، وبالمعنى الذى تعيش من أجله.

 

ومصر- تلك الأرض التى علّمت الإنسان القديم كيف يواجه الموت بالحضارة، وكيف يحوّل الحجر إلى معنى، والزمن إلى خلود- تبدو اليوم وكأنها تعيش مفارقة قاسية:

تاريخٌ عظيم تعرفه، وحاضرٌ مُربك تحياه، ومستقبلٌ تخشاه أكثر مما تنتظره.

وبين هذه الأزمنة الثلاثة، يقف الإنسان المصرى متعبًا.. كأن الزمن داخله لم يعد يسير فى اتجاه واحد.

إنه خريفٌ طويل.

لكن الخريف فى قوانين الطبيعة ليس موتًا.

بل لحظة انسحاب الحياة إلى الجذور استعدادًا لربيعٍ جديد.

وربما كانت أزمة مصر الحقيقية ليست أنها فقدت قدرتها على النهوض، بل أنها نسيت لبعض الوقت، أين تكمن هذه القدرة.

أولًا: الخريف الداخلى

ليست أزمة مصر فى شُحّ مواردها.

فالنيل لايزال يجرى، والشمس لاتزال تُشرق، والأرض لاتزال قادرة على العطاء، والشباب لايزال يتجدد مع كل جيل.

لكن الأمم لا تسقط فقط حين تفقد مواردها.. بل حين يفقد إنسانها المعنى.

حين يفقد الإنسان معنى ما يفعله، لا يتوقف عن الحركة، بل تصبح حركته بلا اتجاه.

يعمل دون أن يعرف لماذا يعمل، ويسعى دون أن يعرف إلى أين يسعى، ويستهلك أيامه فى معركة بقاء طويلة، حتى ينسى السؤال الأهم:

إلى أين تمضى حياته كلها؟

وهكذا تبدأ الأوراق فى التساقط..

لا لأن الريح أقوى من الشجرة، بل لأن الشجرة نفسها نسيت ولو مؤقتًا أنها شجرة.

الإنسان المصرى اليوم يحمل داخله تناقضًا مؤلمًا:

يفخر بماضٍ لم يصنعه، ويُرهقه حاضرٌ لا يستطيع تغييره، ويخاف مستقبلًا لا يملك أدواته بعد.

وحين تنفصل الأزمنة الثلاثة داخل وعى الإنسان، يبدأ الخريف الداخلى.

الخريف ليس فقرًا فقط، ولا فسادًا فقط، ولا بيروقراطيةً فقط.

هذه أعراض قد تُصيب أى مجتمع.

أما الجرح الأعمق فهو أن الإنسان يفقد علاقته الحقيقية بذاته.

حين ينسى الإنسان أن يسأل:

لماذا أعمل؟

لماذا أتعلم؟

لماذا أعيش؟

وماذا أترك بعدى؟

فى تلك اللحظة يتحول المجتمع كله إلى حركة ضخمة بلا بوصلة.

يسير الناس لأن الجميع يسيرون.

يصمتون لأن الصمت أكثر أمانًا.

ويتكيفون لأن التكيف أقل كلفة من التغيير.

وهكذا تتراكم الأجيال فوق بعضها، لا وهى تبنى المستقبل، بل وهى ترث الإرهاق نفسه، والخوف نفسه، والأسئلة المؤجلة نفسها.

 

ربما كانت العلاقة المربكة بين المصرى والزمن واحدة من أعمق أزمات الوعى فى مصر الحديثة.

فالمصرى يعيش داخل ظلّ تاريخ هائل. تاريخ لا يُنسى، لكنه أحيانًا يتحول دون أن نشعر من مصدر إلهام إلى عبء نفسى.

لقد اعتاد المصرى أن يسمع أنه ابن حضارة عظيمة.

ابن الأهرام، والنيل، وأقدم دولة عرفها التاريخ.

لكنه نادرًا ما يتوقف ليسأل نفسه السؤال الأصعب:

وكيف أكون عظيمًا أنا.. الآن؟

وهنا يبدأ التحدى.

حين يتحول الماضى إلى مكانٍ نسكن فيه بدل أن يكون طاقة ندفع بها المستقبل، يصبح التاريخ مخدرًا لا قوة دفع.

المجتمعات الحية لا تعيش داخل أمجادها القديمة، بل تستخدمها كجذور تنمو منها فروع جديدة.

أما المجتمعات التى تتوقف طويلًا أمام المرآة القديمة، فإنها تفقد تدريجيًا قدرتها على رؤية الطريق.

والمصرى فى عمقه النفسى يعيش انقسامًا زمنيًا حادًا: ينتمى وجدانيًا إلى ماضٍ يراه أعظم من حاضره، ويعيش يومه كمعركة استنزاف، وينظر إلى المستقبل بقلقٍ أكثر من الحلم.

وهكذا يصبح الزمن نفسه عبئًا على الروح.

لكن الحقيقة الأهم هى أن الزمن لا يُصلح الأمم وحده.

فالوقت لا يبنى شيئًا ما لم يتحول إلى وعى، والسنوات لا تصنع نهضة إذا ظل الإنسان يدور داخل الدائرة نفسها.

ولهذا لم تكن المشكلة يومًا فى مرور الزمن على مصر، بل فى الطريقة التى عاش بها الإنسان المصرى هذا الزمن:

هل عاشه كصانع للتاريخ؟

أم كمتفرج عليه؟

ثالثًا: الجرح العميق

يقول العلم الحديث إن الإنسان لا يرث الجينات فقط، بل يرث أيضًا طريقة تشغيلها.

البيئة، والخبرات، والخوف، والأمل، والمعنى الذى يعيشه الإنسان، كلها تؤثر فى الطريقة التى يعمل بها ما وُلد به.

بمعنى آخر: الإنسان ليس سجين تكوينه بالكامل. إنه شريك، فى تشكيل ذاته.

وما يصح على الفرد يصح على الأمم.

فمصر لا تعانى من نقصٍ فى الإمكانات بقدر ما تعانى من نمطٍ متوارث فى الوعى؛ نمط يرى الماضى مجدًا مكتملًا، والحاضر عبئًا ثقيلًا، والمستقبل قدرًا غامضًا لا مشروعًا يمكن صناعته.

لكن الوعى، بخلاف الجينات، قابل للتغيير.

وهنا تبدأ الحرية الحقيقية.

فالحرية ليست مجرد قدرة الإنسان على الكلام، بل قدرته على التفكير دون خوف، وعلى السؤال دون ارتباك، وعلى الاختيار دون وصاية.

الإنسان الذى لم يتعلم أن يسأل لا يستطيع أن يختار.

والإنسان الذى لا يختار لا يبنى. لأنه يعيش دائمًا داخل حياة صممها له الآخرون.

ولهذا كان الجرح الأعمق فى مصر ليس فقط غياب الحرية الخارجية، بل تآكل الحرية الداخلية: حرية أن يفكر الإنسان بنفسه، أن يحلم بصوته الخاص، أن يختلف دون خوف، وأن يرى نفسه فردًا مسؤولًا لا مجرد تابع داخل جماعة كبيرة.

لكن الخريف، مهما طال، يحمل داخله بذور الربيع.

الأمل والحلم:

الأمل ليس وهمًا يلجأ إليه الضعيف، بل هو الفعل الأول الذى يبدأ به الأقوياء كل نهضة.

ومصر- فى عمقها الذى لا تراه الأرقام- لاتزال تحمل داخلها كل مقومات الربيع: شبابٌ يسأل ولا يقبل الإجابات الجاهزة، ونساءٌ يحملن الأعباء وأكثر، وعقولٌ تُفكر خارج الحدود وتصنع فى صمت ما لا يُرى بعد فى الضوضاء.

النهضة لا تأتى دفعة واحدة كزلزال مفاجئ، بل تأتى كالفجر: تدريجية، خافتة فى بدايتها، حتى إذا اكتملت لم يتذكر أحد بالضبط متى بدأت. وعلامة الربيع القادم ليست فى خطاب سياسى، ولا فى رقم اقتصادى، بل فى تلك اللحظة التى يقرر فيها الإنسان المصرى- فى بيته، فى فصله الدراسى، فى عمله، فى شارعه الصغير- أن يتصرف كأن ما يفعله يهم. لأنه فعلًا يهم.

 

Rochen Web Hosting