تشرشل خاطب التاريخ وترامب خاطب المرآة
«لقد أُعجبت كثيرًا بذكائى، فأنا ذو معدل ذكاء مرتفع».. تُنسب هذه العبارة إلى دونالد ترامب، وإن كان من الصعب العثور عليها بهذه الصياغة الحرفية. لكن معناها مؤكد تمامًا فى قاموسه، فقد كتب عام ٢٠١٣: «آسف أيها الخاسرون والكارهون، لكن معدل ذكائى من بين الأعلى، وأنتم جميعًا تعرفون ذلك»، قبل أن يطمئن مخاطبيه بسخرية: «لا تشعروا بالغباء أو عدم الأمان، فليس هذا خطأكم»! وفى عام ٢٠١٨ منح نفسه لقب أكثر اكتمالًا حين أعلن أنه «عبقرى مستقر جدًا».
يحتفظ التاريخ بجمل لزعماء ومفكرين بقيت بعدهم لأنها اختصرت لحظة كبرى أو فكرة تتجاوز أصحابها. نستعيد كلمات تشرشل فى زمن الحرب، وعبارة يوليوس قيصر عن مجيئه ورؤيته وانتصاره، وتأملات أرسطو، ورسائل غاندى. أما ترامب فيقدم حالة مختلفة، معظم عباراته لا تنظر إلى التاريخ أو الوطن أو البشرية بقدر ما تنظر إلى دونالد ترامب نفسه.
إنه لا ينتظر من المؤرخين أن يكتشفوا عظمته، يعلنها بنفسه، ثم يكررها حتى تصبح موضوعًا عامًا. وهو لا يترك للجمهور مهمة تقييم ذكائه أو ثروته أو نجاحه، بل يقدم التقييم مع المنتج فى عبوة واحدة. ترامب هو الخطيب، وموضوع الخطبة، وأول المعجبين بها.
قال خلال حملته عام ٢٠١٥: «أنا أعرف الكلمات، ولدىَّ أفضل الكلمات». وعندما سألوه فى العام التالى عمن يستشيره فى السياسة الخارجية، أجاب بأنه يستشير نفسه لأنه يملك «عقلًا جيدًا جدًا». ثم لخص رؤيته للرئاسة فى عبارته الأشهر والأخطر: «لا أحد يعرف النظام أفضل منى، ولذلك فأنا وحدى القادر على إصلاحه». وقد وردت العبارة فى خطاب قبوله ترشيح الحزب الجمهورى عام ٢٠١٦، وسط تصفيق جمهور لم يَرَ فيها غرورًا بقدر ما رأى وعدًا بالخلاص.
من الخطأ اختزال لغة ترامب فى الطرافة أو اعتبارها مجرد هفوات رجل يتحدث كثيرًا. فخلف هذه اللغة غريزة إعلامية شديدة الذكاء. لقد جاء من عالم العقارات، حيث الاسم علامة تجارية، ومن تليفزيون الواقع، حيث الانتباه هو العملة الحقيقية. ولذلك لا يستخدم الكلمات لكى يشرح الواقع فقط، بل لكى يستحوذ عليه.
قاموسه بسيط وحاسم، الأفضل والأسوأ، الأقوى والأضعف، الجميل والكارثى، المنتصرون والخاسرون. لا توجد فى عالمه مساحات رمادية كثيرة. التكرار عنده ليس عيبًا لغويًا، بل أداة تثبيت. والمبالغة ليست انحرافًا عن الرسالة، بل هى الرسالة نفسها.
إنه يبنى صورته على يقين راسخ، لأن التردد، فى منطقه ليس تواضعًا فكريًا بل علامة ضعف.
فماذا سيبقى من «مأثورات» ترامب؟ ربما «لنجعل أمريكا عظيمة من جديد»، وهو من أنجح الشعارات السياسية فى العصر الحديث. وربما «أنت مطرود» التى حملها معه من تليفزيون الواقع إلى السياسة. لكن العبارة الأكثر تعبيرًا عنه ستظل: «أنا وحدى القادر على إصلاحه».
فهى تختصر الرجل كله، الثقة والمبالغة، الفردية والاستعراض، احتقار المؤسسات والإيمان بالبطل المنقذ. زعماء كثيرون تحولوا مع الزمن إلى مقولات، أما ترامب فقد أمضى حياته يحاول أن يحوّل كل مقولة إلى إعلان جديد عن ترامب.



