رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

الأوقاف تكشف آثار وسائل التواصل على العلاقات الأسرية والصحة النفسية مميز

الأوقاف تكشف آثار وسائل التواصل على العلاقات الأسرية والصحة النفسية
الخميس, 04 يونيو 2026 09:21

أكدت وزارة الأوقاف أن الطفرة التكنولوجية المعاصرة المتمثلة في شبكة الإنترنت تعد من أبرز التحولات التي صاغت وجه العصر الحديث، حيث تحولت إلى عصب رئيسي تتردد أصداؤه في النقاشات اليومية والمجالس العامة نظراً لتغلغلها في تفاصيل الحياة كافة.

 وأوضحت الوزارة أن هذه التقنية تمثل سلاحاً ذو حدين؛ فهي إما أن تفتح آفاقاً رحبة لطلب العلم النافع وتحقيق المعرفة والتواصل البنّاء، وإما أن تتحول إلى دهليز ينتهي بمرتاديه إلى الشر والانحراف.

 ويستند هذا التقييم إلى قاعدة أن النعم العامة والمنافع الحياتية تتحدد قيمتها وآثارها بناءً على مقاصد الأفراد وأسلوب توظيفهم لها في واقعهم.

وقد تسببت بعض المنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة، وخاصة تلك التي تفتقر إلى الأطر الأخلاقية والمعايير القيمية، في إحداث هزات ملموسة داخل البنية الأخلاقية للمجتمعات، وأدى هذا الانفتاح غير المنضبط إلى إضعاف عرى التضامن الأسري وتآكل قيم التوقير والاحترام المتبادل بين الأفراد، فضلاً عن مساهمتها في تمييع الحدود الفاصلة بين الحلال والحرام، وتشويش بوصلة القبول والرفض المجتمعي، وصولاً إلى محاولات مستمرة لتطبيع سلوكيات شاذة تصطدم مع الفطرة الإنسانية السوية والقيم الراسخة.

 التداعيات النفسية والتربوية لظاهرة الإفراط الرقمي

تتقاطع الرؤية الدعوية مع الدراسات التربوية والنفسية الحديثة عند التحذير من المخاطر الناجمة عن قضاء الساعات الطويلة أمام شاشات الحاسوب والابحار المستمر في الفضاء الافتراضي، لا سيما لدى شريحة الأطفال والشباب، وتسهم هذه العادات في صياغة شخصيات تفتقر إلى روح المبادرة، ويميل أصحابها نحو الانطواء والعزلة الاختيارية، مع تنامي السلبية والاتكالية لديهم، وهو ما ينعكس سلباً على همة الجيل الناشئ، ويقلل من إنتاجيتهم وقدرتهم على الصبر والمثابرة وتحمل المسؤوليات المجتمعية.

وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى أن قاعدة مستخدمي الإنترنت في المجتمع المصري، وبخاصة من فئة الشباب، قد لامست حاجز الخمسين مليون فرد بحلول عام ألفين وعشرين، مع تأكيدات على أن هذه المعدلات تشهد قفزات تصاعدية مستمرة.

وتكمن المعضلة الأساسية في أن هذا النمو العددي الهائل لا يتجه في معظمه نحو المسارات التنموية أو المعرفية؛ إذ يلاحظ اندفاع البعض نحو متابعة الأفكار الهدامة التي تتأرجح بين الغلو الديني والالحاد، أو الانخراط في علاقات محرمة، أو الغرق في مستنقع المواقع الإباحية التي تدمر العقول والضمائر. وفي المقابل، تظل الفئة المهتمة بالمنصات الإخبارية، والعلمية، والدعوية، والاجتماعية الهادفة هي الأقل عدداً، مما يضع المجتمع أمام ظاهرة بالغة الخطورة تهدد السلم الاجتماعي والتوافق الأسري على مستوى العائلات الكبيرة والأسرة الصغيرة على حد اعتبار.

تشريح مخاطر شبكات التواصل على الكيان الأسري

باتت منصات التواصل الاجتماعي ركناً ثابتاً في تفاصيل الحياة اليومية، إلا أن الاستخدام المفرط والتوظيف السيئ لهذه الأدوات أفرز جملة من المهددات التي تضرب استقرار البيوت وتماسكها في مقتل، وتتجلى أبرز هذه المخاطر في مظاهر متعددة.

حيث يؤدي الانكفاء على الأجهزة اللوحية إلى تراجع الحوار المباشر بين أفراد الأسرة الواحدة، فينخرط كل فرد في عالمه الافتراضي الخاص وعلاقاته البعيدة، مما يضعف الروابط الوجدانية والاتصال الإنساني الحقيقي داخل البيت.

ويتزامن ذلك مع تبديد الأوقات الثمينة في متابعة المحتويات غير الهادفة، مما يتسبب في ضياع المسؤوليات التربوية والاجتماعية والواجبات المنزلية الملقاة على عاتق الآباء أو الأمهات.

كما يتجه الكثيرون نحو تفضيل العلاقات المصنوعة خلف الشاشات على حساب الروابط الواقعية، الأمر الذي يصيب المهارات الاجتماعية بالضمور ويزيد من مشاعر الوحدة والاكتئاب.

وينعكس هذا الوضع سلباً على تربية الصغار جراء تعرضهم المستمر لمواد تخالف أعمارهم وتتصادم مع المبادئ الأخلاقية المستقرة، مما يحدث اضطراباً في سلوكياتهم ومفاهيمهم الفكرية.

ومن الآثار السلبية أيضاً نمو ثقافة التطلع والتفاخر من خلال المتابعة المستمرة لصور الرفاهية والنجاحات الخيالية التي يعرضها الآخرون، مما يبث في النفوس مشاعر السخط، وعدم الرضا، والحسد، والسباق غير المحمود على المظاهر. ويصاحب ذلك انتهاك صارخ لخصوصية المنازل عبر نشر الصور العائلية والأخبار الشخصية الدقيقة دون وعي بالتبعات، مما يفتح الباب أمام مشكلات اجتماعية وثغرات أمنية خطيرة.

وعلى صعيد العلاقة الزوجية، تشتعل الخلافات الأسرية نتيجة الإهمال الناجم عن الانشغال بالهاتف، أو بسبب تصدع جدار الثقة بين الطرفين جراء الممارسات السلبية على المنصات الرقمية. ويضاف إلى ذلك خطر التأثر المباشر بالسموم الفكرية والسلوكيات المنحرفة التي تبثها بعض الجهات بهدف خلخلة الثوابت الدينية.

وتكتمل هذه المنظومة الخطيرة بالتأثر بالشائعات المضللة والأخبار الكاذبة التي تشوه الوعي الجمعي للأسرة وتدفعها لاتخاذ قرارات وبناء مواقف على أسس واهية.

وتلقي هذه الممارسات بظلالها على الصحة النفسية والبدنية مستحدثة حالات من القلق، والتوتر، واضطرابات النوم، وضعف القدرة على التركيز، مما يقلل من جودة الحياة الزوجية.

وفي ظل هذا الفضاء الرقمي المفتوح، تتراجع قدرة الوالدين على فرض الرقابة الأسرية الفعالة، حيث يصعب تعقب وتوجيه المحتوى والروابط التي يتعامل معها الأبناء بشكل لحظي.

ويفضي هذا الغياب الرقابي في النهاية إلى تآكل تدريجي لقيم الحياء، والمسؤولية، والاحترام المتبادل، نتيجة الاعتياد على لغة الخطاب الهابطة والأنماط السلوكية السائدة في البيئات الافتراضية، والتي تبتعد كل البعد عن منظومة الأخلاق والقيم الرفيعة للأسرة.

 

Rochen Web Hosting