رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

الدين النصيحة

قسم : مقالات
الجمعة, 09 أكتوبر 2026 06:21

يقول النبي العظيم: «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»/ حكيت لك بالأمس عن عظمة المعنى الذي تحمله عبارة «الدين النصيحة» التي لخصت المعنى الجوهري للدين وللدعوة إلى قيم الدين وأخلاقياته في هذا السلوك الإنساني الراقي، المتمثل في النصيحة ولو أنك تأملت الحديث الشريف الذي يحمل هذا المعنى فستجد أنه تحدث عن النصيحة من منظورين: منظور الاستماع، ومنظور البلاغ والتعبير عن النصيحة.

 

 

فمن منظور الاستماع، يصح أن نفهم معنى النصيحة لله ولكتابه ولرسوله، فالنصيحة لله تتأتى بالاستماع إلى أوامره واجتناب نواهيه، والامتثال لرسالته إلى البشر، كما عبرت عنها الكتب السماوية، فالإنسان مطالب بأن يصغى إلى ربه إذا ناداه «يا أيها الإنسان».. «يا بني آدم» وغير ذلك ويستمع إلى قوله تعالي، وعلىه أن يتأمل جيداً كتاب الله، وما يحمله من قواعد ومعايير وقيم وأخلاقيات لا بد أن يمتثل لها الإنسان في أقواله وأفعاله، فالقرآن الكريم ليس مجرد كتاب يتلي أو يستمع إلى تلاوته، فالقراءة لا بد أن تعتمد على التدبر، والاستماع لا بد أن يصحبه إنصات، فالتدير والإنصات يؤديان إلى الفهم وامتصاص المعاني، لتجري داخل الإنسان مجري الدم من العروق، وتصبح أساساً لسلوكياته، والمؤمن أيضاً يستمع إلى نصائح أنبياء الله وما تحمله من حكمة عميقة تنقل نصائح غالية لمن يعرف قيمة النصيحة. فالله تعالي كما أنزل الكتاب على أنبيائه ألقي بالحكمة على ألسنتهم.. قال تعالي في سورة «آل عمران»: «وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ». ومن منظور البلاغ والتعبير تبرز النصيحة على مسارح البشر العاديين، وذلك في النصائح المتبادلة فيما بينهم، والتي تتمحور حول مبدأ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، فأئمة المسلمين مطالبون بنصح رعيتهم، والحاكم مطالب بأن ينصح المحكوم، وفي المقابل يتحتم على من يجلسون على منصات القيادة الاستماع إلى نصيحة غيرهم، مهما صغر شأنهم، فرب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره.

النصيحة كدين تعني الحرص على قول الحقيقة والابتعاد عن النفاق وإسماع الكبير ما يريد الاستماع إليه أو كيل المديح له بسبب وبدون سبب. ثمة مسار واحد يتوجب أن يسلكه كل من تتيح له الظروف الاحتكاك بالكبار هو قول الحقيقة والنصح بما يُرضي الله، ذلك ما يؤدي إلى الإصلاح والفلاح. النصيحة لأئمة المسلمين ليست من أعلى إلى أسفل، كما هي الحال في منظور الاستماع إلى الله وكتابه ورسوله، بل هي اتصال هابط صاعد: من الأئمة إلى المسلمين العاديين، ومن المسلمين العاديين إلى الأئمة.


عوام المسلمين مأمورون هم الآخرون بنصح بعضهم بعضاً، وجود هذه الفضيلة في مجتمع هي الكفيلة بدفع الخراب واللعنات عن أهله. قال تعالي في سورة «المائدة»: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ». البديل لغياب النصيحة المتبادلة بين أفراد المجتمع سيطرة غيوم الفساد على حياتهم، وذلك بما كسبت أيديهم: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ».

 

 

Rochen Web Hosting