رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

كان يبغض قريشًا

قسم : مقالات
الأحد, 31 مايو 2020 21:20

لم يكن صفوان بن أمية ومعه سهيل بن عمرو وحدهما فى جيش النبى وهما لايزالا على الشرك بالله أو كفارًا بالمعنى الدارج، يذكر الواقدى «خرج مع رسول الله ناس من المشركين كثير»، كان خروج جيش حنين بعد ١٥يوما فقط من فتح مكة، وقد تقبل المسلمون وجودهم بالجيش، ولم يشعروا بأى غضاضة من جراء ذلك، ولو كان لدى أحدهم أى هاجس قلق أو رفض لوجود هؤلاء بالجيش، ما تردد فى أن يصارح النبى به، وقد اعتادوا معه على المكاشفة والمصارحة بلا حرج أو قلق، وكان النبى يستمع إليهم جيدا ويتقبل مالديهم بصدر رحب وعقل مفتوح ويشرح لهم موقفه، فضلا عن ذلك فإن المهاجرين كانوا مكيين والذين انضموا إليهم هم أهلهم وجزء منهم يكملهم، إما الإنصار، أهل يثرب، فكانت لديهم ثقة مطلقة فى كل ما يتخذه النبى من خطوات وقرارات، وكانوا يحملون للنبى حبا صادقا وعميقا، ولم يهتز ذلك الحب يوما، وكانوا يدركون من سنوات شغف النبى أن يلتئم شمل أهل مكة جميعا، لذا كانت تلك الخطوة عادية جدا لديهم.

فيما بعد، زمن الفتنة الكبرى، التى لم نخرج منها إلى اليوم، وفى ذروة الصراع بين على ومعاوية، انطلق فى أجواء الصراع ما نسميه الآن «سلاح الأرشيف»، وراح البعض يتساءل عن أسباب ودوافع مشاركة هؤلاء «الطلقاء أو المؤلفة قلوبهم» فى جيش النبى، كانت التساؤلات والشكوك بأثر رجعى تعنى- ضمنيا- عدم تقبل تلك المشاركة، بل الرفض لها، ثم وجدت تلك الشكوك وذلك الرفض طريقها إلى بعض كتب التاريخ والفرق الإسلامية، حيث ذهبوا إلى أن النبى اتخذ تلك الخطوة لسببين.

 

 

الأول: أن النبى تخوف أن يتركهم فى مكة، فيقوموا بالتمرد والانفصال عن المدينة (يثرب) ويعود الأمر كما كان من قبل.

 

 

الثانى: تخوف النبى أن يواجه ثقيف وهوازن، فينقض المكيون على جيشه من الخلف.

 

 

هذا كله وجد طريقه إلى بعض المتشددين وجماعات الإرهاب والحصاد نراه حولنا فى إرهاب مقيت وبائس، يحاول أن يدمر كل شىء.

 

 

تاريخيا لم يخرج كل رجال مكة إلى الحرب، هناك من رفضوا أو تكاسلوا، يقول ابن هشام فى السيرة النبوية «استعمل رسول الله عتاب بن اسيد بن أمية على مكة أميرا على من تخلف عنه من الناس» لو أن هناك مخاوف لأمرهم جميعا بالخروج، لكنه لم يفعل، بل إن من خرجوا تسابقوا وكانوا يخشون ألا يقبلهم النبى معه، ومن الحديث بين النبى وصفوان نفهم أن النبى دعاه للمشاركة فى الجيش.

 

 

وحين فتح النبى مكة لم يمس ما نسميه اليوم المراكز القانونية والاجتماعية بها، طلب إليه على بن أبى طالب أن يسلم مفتاح الكعبة إلى الهاشميين وتكون لهم سدانتها بدلا من عثمان بن طلحة، فرفض تماما ونادى عثمان وسلمه المفاتيح قائلا: اليوم يوم بر ووفاء.

 

 

باختصار الفتح لا يعنى الانتقام ولا الثأر، وكذلك لا يعنى الحصول على مكاسب وانتهاز الفرص.

 

 

ولما أراد اختيار واليا على مكة اختاره أمويا، باعتبار أن ذلك كان موقع الأمويين.

 

 

والواقع أن مكة لم تكن مدينة حروب، هى أكبر مركز تجارى فى الجزيرة العربية، يفد إليها تجارة الشام وتجارة اليمن، ومدينة هكذا دورها لابد لها من تجنب الحرب والقتال، هى أيضا تضم الكعبة المقدسة لدى أهل الجزيرة ويتوافدون عليها للطواف وللحج، أى أنها تستقبل العرب جميعا، هنا لا تزدهر إلا بتجنب أن تقوم حروب ومعارك داخلها، هذه الاعتبارات كلها جعلت النبى يكثف كل جهوده ليدخلها سلما، فاتحا لا غازيا، ومن قبل حين جاء للحج ورده سادتها عنها، رفض خوض الحرب، رغم إلحاح كثير من صحابته على ذلك، مرتضيا صلح الحديبية، بشروطه المجحفة له ولأنصاره.

 

 

حين طلب إلى صفوان المشاركة هو وغيره من الكفار، كان يعرف موقفهم الدينى ويعرفهم شخصيا، وهو- صلى الله عليه وسلم- كان يضع هنا عدة قواعد، بل مبادئ يجب التوقف عند بعضها.

 

 

أولا: هى ليست حربا دينية ولاعقائدية، كانت حربا وطنية للدفاع عن مكة، ضد القبائل الأخرى، تحديدا ثقيف وهوازن، فقد قصدوا الهجوم على مكة، باختصار الطائف وما حولها تسعى لاحتلال مكة، لو أن هؤلاء يستهدفون النبى والإسلام لهاجموا يثرب من قبل أو لأعانوا أبوجهل وأبوسفيان على النبى فى معركة أحد أو الخندق مثلا.

 

 

ولما بلغ النبى فى نهاية المعركة مقتل عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث، كان أحد قادة العدو، قال «أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا» لم يذكر النبى أنه كان رافضا أو معاديا للإسلام، ولم يقل إنه عدو الله ورسوله، إنما كان يبغض قريشا.

 

 

ثانيا: أن الدفاع عن الوطن واجب كل أبنائه القادرين على ذلك، بغض النظر عن الموقف والاعتقاد الدينى لكل منهم، واجب المسلم وغير المسلم، المؤمن والكافر، لايجوز سحب شرف ومسؤولية المواطنة من إنسان بسبب دينه واعتقاده، هذا ما أرساه النبى.

 

 

ثالثا: تأسيسًا على ذلك، لا يليق أن ينظر أحدنا باستخفاف أو استهانة للنص الدستورى الذى يقول إن حرية الاعتقاد مطلقة (دستورنا المصرى ينص على ذلك) ولا يجوز لأحد أن يعتبر هذا النص ديكورا أو للوجاهة السياسية، كما لا يجوز لجماعة أن تحاول السير عكس الدستور.

 

 

رابعا: الدفاع عن الوطن دور الرجل والمرأة معا، فى معركة حنين وجدنا مشاركة نسائية تستحق التوقف عندها، لدينا نموذج أم سليم التى شاهدها الرسول فى القتال، وكذلك أم الحارث الأنصارية، وكانت من أثبت الناس فى أصعب لحظات القتال.

 

 

خامسا: ليس شرطا لازما أن يعتنق أبناء الوطن جميعا دينًا واحدا أو أن يكونوا على نفس المعتقد، المطلوب منهم جميعا الدفاع عن الوطن والحفاظ على سلام الدولة وتماسكها، والتنوع الخلاق والتعدد الخصب يزيد المجتمع ثراء ويمنحه حيوية دافقة. لا ينبغى لأحد، فردا كان أو جماعة أن تدفع بالتعدد إلى الاحتدام او الاحتراب الطائفى، ولا الاستقطاب المذهبى.

 

 

سادسا: أن يقدم كل إنسان لوطنه ما يقدر عليه، من لديه المال فليفعل، اقترض النبى المال من صفوان وغيره وهو يجهز الجيش، وقدم صفوان وغيره السلاح.

 

 

ونكمل فى مقال قادم.

Rochen Web Hosting