رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

تجار «التريند»

قسم : مقالات
الجمعة, 09 أكتوبر 2026 06:29

زمان كان تأليف القصص يحتاج إلى موهبة وخيال وورق وقلم وناشر.. النهارده الموضوع أسهل كثيراً: موبايل، وكاميرا، وحساب على السوشيال ميديا، وشوية جرأة.. والباقى على التريند!

استيقظ صباحاً، اختر اسماً مشهوراً، ألّف عنه حكاية، ولو الحكاية مش مثيرة كفاية زوّد عليها شوية بهارات. ضع عنواناً من نوع: «فضيحة مدوية»، «لن تصدق ما حدث»، «أسرار تُكشف لأول مرة».. ومبروك عليك الريتش!

لقد أصبحنا أمام نوع جديد من الكوميديا، لكنه للأسف كوميديا مؤلمة؛ لأن أبطالها أناس حقيقيون لهم سمعة وأسر وأبناء وبنات، وقد يكونون محترمين كل جريمتهم أنهم مشاهير.

والأغرب أن البعض أصبح يتعامل مع حياة الناس وكأنها ملكية عامة. يتحدث عن فلان، ويحلل نواياه، ويقرر ماذا يقصد، ثم ينتقل بمنتهى البساطة إلى زوجته أو ابنته أو إحدى قريباته، وقد يسىء إلى آنسة أو سيدة لم ترتكب فى حياتها جريمة سوى أن اسمها معروف!

واحد يؤلف فيديو، والثانى ينقل عنه، والثالث يضيف «معلومات من مصادر خاصة»، والرابع يستقطع عشر ثوانٍ من حوار مدته ساعة، ثم يبنى عليها قصة كاملة.

ولو اعترض صاحب الشأن، يصبح الاعتراض نفسه ترينداً جديداً!

والمدهش أن كثيراً ممن يتعرضون لهذه الأكاذيب والإساءات يلتزمون الصمت. ليس لأنهم عاجزون عن الرد، ولا لأن ما يقال صحيح، ولكن لأنهم تربوا على أن هناك مستوى من الكلام لا ينبغى النزول إليه.

فيجلس الإنسان المحترم يتابع ما يُقال عنه، ويقرأ حكايات لم يعشها، وتصريحات لم يقلها، ومواقف لم تحدث، ويكتشف فجأة أن هناك من يعرف تفاصيل حياته أكثر منه شخصياً!

وكل هذا لماذا؟

من أجل «لايك» أكثر.. مشاهدة أكثر.. ريتش أعلى.. وتريند يستمر يومين ثم يختفى.

هل وصل بنا الأمر إلى أن تصبح سمعة إنسان مادة للترفيه؟ وهل أصبح جرح سيدة أو آنسة وسيلة لجذب المشاهدات؟ وهل الشهرة معناها أن يفقد الإنسان حقه فى الكرامة والخصوصية؟

اختلف مع المشاهير كما تشاء، وانتقد أعمالهم وتصريحاتهم ومواقفهم، فهذا حقك. لكن ليس من حق أحد أن يكذب، أو يؤلف، أو يجتزئ الكلام، أو يحول الظن إلى حقيقة، ثم يختبئ خلف عبارة: «ده مجرد محتوى».

لأن الكلمة مسئولية، والسمعة ليست لعبة، وأعراض الناس ليست مادة للتريند.

وأمام كل ما نراه يومياً، لا يملك كثير من المحترمين إلا أن ينظر بعضهم إلى بعض فى دهشة ويسأل:

هو بجد.. إيه اللى جرى للناس؟!

 

Rochen Web Hosting